بقلم: ديما السماني
ليس ذاك المعهود في خبايا ادعاءات الإناث، ولا المزيف بين أكوام الأحاديث، ولا الحياء الغادر فوق أرطال من الخيانات، ولا ذاته الزائر لكبريات المشاعر.. وأبردها
ليس المصاحب للكلمات المتشابكة في أبحر الذل، ولا الغارق في عبَرات الغدر اللاذعة، ولا الميّت فوق شفاه الراقصين على الجراح.. ليس ذاك الممزق في قلوبٍ شبع العار عارها، ليس ذاك الحزين في أفئدة الصامتين يشقّ أضلعهم ليخرج فاضحاً.. ولا يفلح
هل شعرتم بالخجل يوماً؟
ذاك الذي يجرح الصدر ألماً واستياء، يكوي السويداء المحترقة سلفاً من أنّات النفس الشاحبة، يختصر سنين العمر في لحظات باردة جافة وحيدة، يحوّل كل ما في الروح إلى رماد لا ينفع إلا للخجل، يشطرها إلى نصفين.. كل منهما يظلله الخجل، ويسكنه الخجل، ويطارده الخجل..
ذاك الذي لا تصنعه إلا أرواحٌ فاقت كل الأنفس حدّ الارتواء، فلا الشوك وخز أطرافها لحظة، ولا الجبال أخذت في الارتفاع أمامها، ولا السماء خبأت نجومها عنها.. كل ما رأته أعينها استفاض مسكاً طيباً عَطِراً، رافقها إلى ما نسميه النهاية.. وهو ليس إلا بداية البداية في قواميسها.. لا يُشعر الشاهدين إلا بالخجل الملطخ بالخجل
هل شعرتم بالخجل يوماً؟
عندما تأكلون وتشربون وتذوقون ما تجاوزتها الأرواح تلك بين لحظات حياتها الصمّاء، فاعتلاء القمم كان طعامها بينما لذائذ الدنيا كانت لكم، وكؤوس ثلج الصحاري الحارقات كان شرابها بينما أعذب ما في جوف الأرض كان لكم.. حتى تهتّكات العز في أجسادها كان دواؤها بينما التذمر كان لكم، وخدوش النصر فوق جباهها كان السبيل لنبض قلوبها.. بينما رنات أقراص الذهب كانت نبضكم
أما شعرتم به.. حين أخمدتم عطر أرواحهم بفساد أهوائكم، حين تستّرتم بصورهم الجميلة فوق خراب وجوهكم، حين دفنتم بقية عمرهم في قعر استكانتكم، حين قتلتم الخجل في صغريات أفعالكم.. فما عادت الأرواح توقظنا كل صباح على خطاها الماثلات، ولم تعد هناك خطىً تلمسها أيادي الصغار فيكبرون يوماً على تراب حارق يُشعر بالخجل أمثالكم..
أما شعرتم بالخجل عندما أرديتم صورهم المعلقة بصمتكم، وأبقيتم دماءكم محفوظة في زجاج نفوسكم، وغادرتم كلماتهم بعد لحظات.. فبقيت الصور تذكّركم، ثم قتلتم الذكرى وأغمضتم وجوههم بصوركم في أبهى حللكم... وما خجلتم بعدها بل فرّ الخجل منكم.. غادر إلى جدران أسكنتهم يوماً، علها تشعر بالخجل حين حملت صوركم.


