لا شكّ أن الإعلان عن غياب أبو عبيدة، الناطق باسم كتائب القسام، إلى جانب ثلّة من قيادات الصفّ الأول في الكتائب، يُشكّل علامةً فارقة في تاريخ حركة حماس عمومًا، والجناح العسكري، كتائب القسام، على وجه التحديد.
وإذا ما تحدّثنا عن الحالة الرمزية التي مثّلها أبو عبيدة، بوصفه الناطق الرسمي لسنوات او الملثّم كما جاء في اوصافه، فإننا أمام ظاهرة فريدة في سياق الاشتباك مع الاحتلال؛ اشتباكٌ لم يكن عسكريًا فقط، بل إعلاميًا وسرديًا ورمزيًا أيضًا.
إطلالات أبو عبيدة كانت بالغة التأثير، إلى حدّ أنها نفذت إلى داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته، على مدار سنوات طويلة من المواجهة، منذ عام 2003. وقد حاز درجة عالية من المصداقية، حتى بات ما يقوله يُستمع إليه داخل المجتمع الإسرائيلي أحيانًا باعتباره أكثر صدقية مما ينقله جيشهم وقياداتهم السياسية والعسكرية.
وفي السياق ذاته، شكّل أبو عبيدة حالة استثنائية في الوعي العربي والإسلامي، حيث توحّدت حول صورته وإطلالاته مشاعر وقلوب وعقول المؤيدين والمساندين للقضية الفلسطينية. وبالفعل، تحوّل إلى أيقونة عوّضت غيابًا طويلًا لمن يتصدّى علنًا لدولة الاحتلال ويتحدّاها، وعبّر في الوقت ذاته عن مخزونٍ داخلي من الحنين إلى لحظات المواجهة المباشرة، حين تقف المقاومة وجهًا لوجه أمام الاحتلال.
لهذا، أصبح أبو عبيدة أيقونة مركزية في المشهد، وكان تأثيره في الرأي العام العربي والإسلامي، وحتى الدولي، لافتًا ومميّزًا على مدار السنوات الماضية. وليس من قبيل الصدفة أن يحرص الاحتلال، في أكثر من معركة، على استهدافه، وأن يعتبره أحد أبرز عناصر المواجهة والتحدّي، وقد نجا بالفعل من محاولات اغتيال عديدة.
أما الإعلان اليوم عن استشهاده بعد استهدافه قبل نحو اربعة أشهر، فلا شكّ أنه يطرح تحدّيًا كبيرًا، إذ إن تعويض هذه الحالة الرمزية لن يكون سهلًا، لكنه في الوقت ذاته ليس مستحيلًا. فقد ترك إرثًا راسخًا، وأيقونة يمكن البناء عليها.
وفي النهاية، هكذا هي المواجهة، وهكذا هي حياة المقاومة؛ مسارٌ لا يتوقّف، لأنها في حالة تصدٍّ ومجابهةٍ مستمرة مع الاحتلال.


