السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 02:34 ص

مقالات وآراء

ديما السماني

مدير العلاقات العامة والإعلام في وزارة التعليم
عدد مقالات الكاتب [6 ]

نابلس.. وجبال جليدها

حجم الخط

بقلم: ديما السماني

على زاوية محله العتيق يجلس متأملاً، يصارع تجاعيد وجهه التي أخذت من عمره أعواماً طويلة ويفتح عينيه بنظرة غير آبهة، ينظر تارة إلى يديه المصبوغتين بغبار العمل، وتارة إلى الشرطي الذي يقف على مقربة منه يغطي رأسه بقائمة طويلة من الأسماء وأرقام الهويات علها تقيه حر الشمس، ثم ينزلها عندما تمرّ أي سيارة فيوقفها ويحاول مطابقة أرقام هويات ركابها بالقائمة المحشوة بالأسماء.

ربما كان ذاك الحاج كبير السن الجالس على قطعة قماش مهترئة غطت كرسيه البلاستيكي الذي من المفترض أن يكون لونه الأصلي مائلاً للبياض، يفكر في السبب الذي جعل الشرطي الشاب القوي يتحمل ساعات الحر تلك في أحد شوارع مدينة نابلس، وهو ذات السبب الذي دفعه ليتحمل ساعات البرد في شتاء قارس مر على المدينة المرتفعة نسبياً.

ولو أن الشاب هذا كان يوقف سيارات المستوطنين التي تحوم حول مدينته ليل نهار لاعتبرها الحاج كبير السن تضحية يستحق عليها الثناء، ولو أن الشاب هذا كان يبحث عن مطلوبين للعدالة، وهنا نقصد مرتكبي الجرائم والسارقين ومتعاطي المخدرات، لكانت وقفته تلك تبعث على الرضا، ولكن الشاب هذا كان يبحث عن صيد أو غنيمة، وليست تلك سوى شاب ملتحٍ تطابق أرقام هويته أحد التسلسلات الرقمية في الورقة الغنية بالأسماء لأشخاص ثبت عليهم الجرم الوحيد الذي يستحق السجن مع سبق الإصرار والترصد.

نظرات الطاعن في السن تؤلم كل خلايا الجسد، فعلى باب محله الصدئ علّق صورة لفلذة كبده، لم يكن ملتحياً ولا شرطياً، كان فلسطينياً تربى في ربوع جبال النار، كبر وكبرت أحلامه المتوجهة نحو القدس، وكما هو العرف الفلسطيني الأصيل، ارتقت روحه مقبلاً غير مدبر في أحد اجتياحات الاحتلال لمدينته، سالت دماه وما سالت كرامته، بل بقي محتفظاً بها في زمن كانت صور الشهداء فيه زينة الأعياد الوحيدة، وأساطير بطولاتهم هي قصص ما قبل النوم لأطفال المدينة.

نفض الحاج كبير السن يديه محاولاً إزاحة الغبار عنهما، ثم وضعهما على طرفي كرسيه محاولا النهوض، لكن مشهداً استوقفه، فالشرطي قد وجد فريسته، شابٌ حاول تخفيف لحيته قدر الإمكان ولكنها ما زالت ظاهرة قليلاً، انغرست يد الشرطي في ياقة قميصه التي كانت مرتبة واقتادته بشدة إلى خارج السيارة التي استقلها، ثم تجمع العديد من أفراد الشرطة الشبان وحولوا أياديهم إلى سلاسل تثبت الشاب الملتحي في مكانه غير مكترثين لتساؤلاته حول سبب هذا التصرف.

بقيت مقلتا الحاج الطاعن في السن ترقب المنظر، تغادران إلى حيث اختفى الملتحي وأفراد الشرطة معه، وتلمعان لابتسامة الشرطي الذي انتعش جسده أخيراً بعد صيده الثمين، فانتصبت قامته أكثر واشتد ساعده الممسك بورقة الأسماء وجحظت عيناه فيها بشكل أوسع عند التدقيق في بطاقات ركاب السيارة التالية.

دخل الحاج محله الصغير وألقى بنظرة خاطفة على صورة ابنه الذي رحل عن الحياة في أحد شوارع نابلس، ثم سرح بابتسامة صغيرة رسمتها شفاه الشهيد حين كانت جبال النار تنفث النار حقاً، تسحق كل من حاول الاقتراب منها ولا تتحول لجليد صامت يقهر قلوباً محترقة على أزقة المدينة ومخيماتها وحجارتها.

كلمات قليلة كانت كفيلة ببعثرة الخيال الجميل للحاج الناظر إلى ولده.. 'حملة أمنية'، هي السبب في المنظر الذي رآه قبل قليل، هي السبب أيضاً في اقتياد النساء وزوجات الشهداء والأسرى المحررين إلى مراكز التحقيق بعد منتصف الليل، هي السبب في إغلاق جمعيات كانت تطعم اليتامى وترعى الفقراء، هي السبب في كثرة استخدام شفرات الحلاقة لدى معظم الشبان، هي السبب في ترويع الأطفال وإخافة الصغيرات، هي السبب في تمزيق صورة شهيد آخر كان صديقاً لولده، لأنه كان ملتحياً حين التقطت صورته، هي السبب في تناسي أمثال ولده، وتربية الأطفال على نسيانهم وكأنهم من زمن سحيق مرت عليه عقود طويلة.

تلك الحملة جاءت ضد 'السارقين والعابثين بأمن المواطن'، هكذا قالت مذيعة نشرة الظهيرة، لكن الحاج الكبير في السن توقف عندها، فلم يذكر يوماً أنه تعرض لخطر أمني، عاش طوال عمره في نابلس وأكل من أرضها وشرب من ينابيعها، وعمل وسط شوارعها متجولاً في البداية، ثم استقر في محل صغير، كان دائما يفتحه في الثامنة ويغلقه في الخامسة والنصف، يخرج من جيبه ساعته المعدنية وينظر إليها حين تهب نسمة نعاس تذكره أن الوقت قد حان ليعود إلى منزله، يغلق الباب بقفل حديدي قديم، يسلم على جاره الحاج الآخر ويسأله إن كان ينوي إغلاق محله الآن، فيغلقه الثاني ويعودان سوية إلى حيهما ويمازحان الأطفال في الأزقة.

طوال تلك السنوات لم يروا أي ضرورة لحملة أمنية تحميهم من خطر السارقين والعابثين، وحتى الآن ما زالوا يسمعون قصة أبي فلان الذي هاجمه لص ولم تساعده سوى ياسمينة جاره التي أعاقت هروب السارق، وقصة ابنة فلان التي تعرض لها شاب 'أزعر' في طريقها إلى البيت ولم ينجدها أحد سوى شبان حيها.. لم تزد الحملة نابلس 'أمناً' بل زادتها قلقاً..

كان الحاج هذا يعيش حياة آمنة حتى قبل أن يولد الشرطي ذاك، بل كان يعيشها آمنة وعزيزة النفس في آن واحد، كان الحي الذي يسكنه يشدو بصيحات التكبير عندما تهتز تل الربيع بفارس عاش سنوات عمره القصير في ممرات الحي نفسه، كانت 'الكنافة' النابلسية الأصيلة توزّع مع كل طلقة تخرج مدافعة عن المدينة، فتزداد الابتسامة وتزداد حبات 'القطر' على شعيراتها، كانت ضحكات الأطفال تملأ الشوارع وهم يجربون أسلحتهم الخشبية، وكم من قطعة خشب تحولت إلى 'بواريد' حقيقية بعد سنوات قليلة.

في ذاك الأمس كان الفخر بولده أعظم، كان الكل يعتز بمعرفته، يقول لقد دعوته عندي وأكلنا سوية، وآخر يؤكد أنه رآه قبل استشهاده بساعات وأعطاه رشفة ماء، وثالث يقسم أنه مر بجانبه يوما ورد السلام على سلامه، ثم تمتزج دموع الحاضرين شوقاً إليه بابتسامات فخر معرفته.. أما اليوم فطلب الرحمة على روحه بصوت خافت أصبح أمراً مقلقاً لطالب الرحمة تلك.

اليوم تبكي 'عصبات' حارة الياسمينة حرقة، تلك العصبات الملونة التي علت رؤوس أربعة من أبنائها في صورة رفعت شأن نابلس وجعلتها قدوة بين كل المدن.. تبكي على أحد أصحابها الذي ما زال مخفياً في أقبية تحت الأرض، وآخر يخرج من تلك الأقبية نهاراً ثم يعود إليها ليلاً وإلا طالته رصاصات الاغتيال، وثالث بين هذا وذاك، ترمق عينيه رؤوس جبال الجليد في المدينة، علها تعود ناراً فيخرج من مخبئه ويعود ليتوسط أخويه في صورة أخرى لا تنمحي آثارها بحملة أمنية!