بقلم: ديما السماني
في أزقتها العتيقة لم تعد الأرضية صلبة كما كانت، بل أقرب إلى متهالكة تحمل أتربة علقت بأحذية حاخامات يتنافسون على حفظ شكل الحجارة ومواقعها بل وإطلاق الأسماء عليها واختيار المفضل لدى كلٍ منهم.
في الطريق ذاته تستطيعُ سماع همس الأبواب الحديدية الضخمة لو أردت ذلك، تتناجى فيما بينها وتحدّث المارة دون صوت يُسمع.. كم حدّثت أصحابها هناك وكم نادت.. ولكنها اكتفت في النهاية بصريرِ احتكاكها مع الجدار القديم الذي طالما كان واقفاً يسمعها ولم ينطق، حتى عندما أحس بفتات الأبواب الصدئة يسقط على نتؤاته.. لم ينطق.
تجذب عينيك تلك النوافذ المتقنة فوق الأبواب، تسرح في دقة هندستها وإن ذابت أطرافها الحجرية بطريقة لا تزعجك بل تزيدك دهشة، تتأملها وتتساءل من أي زمن جاءت، بل من أي الزلازل نجت ومن أي إرهاصات الأرض أُنقذت، فكل ما فيها لا يزيد الممر ذاك إلا أصالة، حتى الزجاج الذي قاوم الكسر أكثر من مرة ولم ينجُ هذا الصباح من قطعة قماش مبللة أخطأت بعض حبات الغبار على سطحه، كان يزيد المشهد جمالاً..
تتابع النظر إلى تلك النوافذ غير آبه بالأعشاب التي نمت على الحجارة التي تربط بينها، فكل ما هو غير مستحب في أي مكان آخر.. يستحق المشاهدة هناك، عدا هذا الشيء الذي لا تستطيع عيناك إلا الانقباض لرؤيته، يتموضع فوق أحد النوافذ ويحجب الشمس عنها بل والهواء، تراه يفسد تناسق الألوان الغبارية القديمة البنية والبيضاء الباهتة، فأبيضه الناصع يبدو مفتعلاً، والشكل الأزرق ذاك أجنبي عن كل ما اعتادت النوافذ والأبواب رؤيته..
عزاؤك الوحيد عندما ترى هذا، أن أطرافه الممزقة تفضح مزاحمته لزجاج النوافذ والهواء المار إليها، فتعرف أنه غير مرغوب هناك، وأن بياضه المفتعل ليس كبياض الثلج الجميل ولا مثل زيّ ملائكة الرحمة، بياضه خبيث ومؤلم يكاد يحرق العينين إذا ما استكانت له..
تحاول عيناك الهرب إلى زرقة السماء الأصلية بدلاً من الزرقة الخادعة، تتحملقان في عصفور وضع آخر قشة في عشه على ذاك البناء العالي لأول مرة، يرتبه بفمه الصغير ويقفز حوله محاولاً احتواءه على حافة المبنى.. تستغرب لوهلة، ثم تتذكر أن صوت المئذنة تلك لم يعد يصدح هناك ليطير العصفور محلقاً حولها.. ربما كان صوته أعلى من أذانها المخنوق تحت غيمة سوداء..
بينما أنت كذلك يشدك صوت قريب، تلتفت لتجد تحفة معمارية أخرى تصدر أصواتاً من المفترض أن تكون مبهجة، أجراس تدق بتتابع لتغني لحناً حزيناً، تراها مثقلة يكاد رنينها يخفت في أي لحظة..
ضحكات الأطفال في الممر ذاته ما زالت موجودة، تنظر إليهم محاولاً تناسي أي شيء منغّص، يتراكضون حولك غير مكترثين لهويتك، يلاحقون بعضهم وسعادتهم تروي كل حياة داخلك، اما على الزاوية هناك فتلك الصغيرة بجدائلها غير المرتبة تسرّح شعر دميتها، تتحدث إليها وتداعبها، فتنسيك حزن المآذن وأنات الكنائس وقماشاً يكتم أنفاس النوافذ..
في لحظة ما يدخل أطفال آخرون إلى الزقاق هذا، هم أطفال أخفت نظراتهم الحادة براءتهم، حتى ملامحهم الغربية وشعرهم الأشقر وملابسهم النظيفة وشعرهم الملتف على جوانب وجوههم لم يكن بريئاً بنظر الأطفال الضاحكين، فالضحكات أُخرست والابتسامات اختفت، وبقي الكل متسمراً أمام مشية هؤلاء المتعجرفة متقدمين نحو الصغيرة ذات الجدائل.
بكل قسوة ينتزع أحدهم الدمية من بين أيديها تتويجاً لحركاتهم الاستفزازية في الزقاق وكأنهم يريدون فعل أي شيء يلفت الأنظار، لا يجدِ صراخ الطفلة نفعاً أمام ضحكاتهم الساخرة ولغتهم الثقيلة غير المفهومة، يمزقون ملابس الدمية ويحاولون نزع شعرها الأصفر الذي حاولت الصغيرة تجديله، تصرخ بهم وتحاول ضربهم بيديها وأنت ترقب المشهد، ولكن كيف تُجدي اليد الصغيرة تلك معهم..
تنظر إليك الطفلة بنظرة حزن علها تحرك فيك شيئاً فهي لم تجد سواك، تقف وتبادلها نظرة الحزن، لم تشأ أن تدخل في مشكلة مع أحدهم فتبقى مكانك.. تعيد الصغيرة نظراتها إليك فتحسُ بحاجتها لشخص مثلك يعيد دميتها من بين أيديهم، لكنك تؤثر الوقوف على ما أنت عليه، تكتفي بنظرة الحزن تلك، ثم تنطق بكلمات قليلة تستنكر فعلتهم هذه.. وتهمّ للمضي في طريقك، لكن الطفلة تدمع حينها، لم تدمع حين سلبوها صديقتها الوحيدة تلك بل دمعت لصمتك.. ولم تكن بحاجة عبارتك الاحتجاجية فأولئك لم يسمعوها على أية حال، بقوا يتلذذون بمشاهدة دموعها بينما أنت تنصرف عنها.. ترمقك الصغيرة ثم تلتفت إلى العلم الذي يخنق نافذة غرفتها.. فربما كنتما سواء لديها.
