اكثر ما استفزني في ردود الفعل حول قانون الإعدام هو زخم جمل من قبيل "لا تقلقوا، المحكمة العليا غالبًا ستلغي القانون" — فهذا الإدعاء ليس قراءة قانونية رصينة، بل رهان سياسي مريح نفسيًا. المشكلة ليست فقط في أنه قد يكون خاطئًا، بل في أنه يطلب منا أن نثق بمؤسسة قضائية راكمت، على مدى عقود، سوابق واضحة في حماية البنية الاستعمارية والتمييزية للدولة، لا في كبحها.
لا يمكن الثقة بالقضاء الإسرائيلي لثلاثة أسباب مترابطة. أولًا، لأنه لم يُظهر استعدادًا ثابتًا لإبطال القوانين المؤسسة للتفوق اليهودي، بل سبق أن ثبّت بعضها أو تعايش معها تفسيرًا. ثانيًا، لأنه يتعامل مع الفلسطيني ضمن نظامين قانونيين منفصلين أصلًا: مدني لليهود، وعسكري للفلسطينيين، وهذا وحده يهدم ادعاء الحياد. ثالثًا، لأن ما بعد 7 أكتوبر كشف انتقالًا من “قضاء يوازن” إلى “قضاء يشرعن الاستثناء”، سواء في الاعتقال، أو المساعدات، أو تقييد الحقوق، في ظل مناخ سياسي وقانوني أشد عدائية تجاه الفلسطيني من أي وقت قريب.
والأهم من هذا بأن هذا الإدعاء لا يرتهن إلى رد فعل فلسطيني عربي بل على منطق "إسرائيل لن تذهب بعيدًا لأن صورتها الدولية مهمة”.
لكن إذا دققنا فيه بمنطق إسرائيلي بحت، سنكتشف أنه يفترض افتراضين غير صحيحين:
1.أن الصورة الدولية هي عامل كابح حقيقي
2.وأن إسرائيل تتصرف وفق منطق “تجنب الضرر” لا “إدارة الضرر”
والاثنان، عمليًا، سقطا منذ سنوات.
لذلك، من يطلب منا أن نثق بأن المحكمة العليا ستنقذ الفلسطيني من قانون الإعدام، يطلب منا أن نتجاهل تاريخًا طويلًا من الأحكام التي لم تمنع نظام التمييز، بل أدارت حدوده ووفرت له لغة قانونية أنيقة. المشكلة ليست فقط في القانون الجديد، بل في المؤسسة التي يُراد لنا أن نعلّق عليها آمالنا، بينما سجلها يقول إنها، في أحسن الأحوال، قد تعدّل الصيغة؛ أما جوهر المنظومة، فهي جزء من حمايته لا من هدمه.


