الثلاثاء 30 ديسمبر 2025 الساعة 09:53 ص

مقالات وآراء

الإخوان وقصة ٱل لوط..!!

حجم الخط

"أخرجوا آل لوطٍ من قريتكم، إنهم أناسٌ يتطهرون"؛ هكذا نُطقت التهمة التي لا تزال تتكرر حتى يومنا هذا، وإن تغيرت الألفاظ وتبدلت الأسماء. لم تكن الجريمة في فساد ارتكبوه، ولا في نظام هدموه، بل كانت في نقاء سريرتهم، وفي طهر نواياهم، وفي محاولة شريفة لإصلاح ما فسد في الأرض. عجيبة هي المجتمعات حين تستنكر الطهارة وتلفظ الطيبين، في حين تحتضن الفاسدين وتتزين بهم، وتعلو بهم إلى حيث لا يطالهم حساب ولا يردهم رقيب.

في عالمنا العربي، تكررت القصة، وتبدّلت القرى، ولكن بقيت التهمة ذاتها تُلقى على كل مصلح نقيّ: إنك لست مثلنا، إنك تتطهر. فتصبح النزاهة تهمة، ويغدو الإصلاح شبهة، ويُنظر إلى صوت الصدق كخرق للنظام، ومصدر قلق يُراد إسكاته لا سماعه. كم من مصلح ناصح، خرج من بين أهله مكلومًا، لا لأنه أفسد، بل لأنه حاول أن يُصلح! وكم من ضمير حيّ نُبذ، لا لشيء، سوى أنه لم يقبل أن يغرق في المستنقع مع الباقين!

لقد اعتادت أنظمتنا أن تُرهب من يجرؤ على الارتفاع فوق مستواها، أن تخوّن من يتجاوز الصمت العام، أن تطعن في نوايا كل من لا يركع. تُحارب الفكرة لا لأنها خاطئة، بل لأنها صادقة، وتخاف من الكلمة لا لأنها جريئة، بل لأنها حقيقية.

 كل شيء يُغتفر في أوطاننا، إلا أن تكون مستقيمًا، إلا أن ترفض النفاق العام، إلا أن تشير إلى العورات التي يصرّ الجميع على سترها بغشاء الخنوع.

وحين يقف الناس في حيرة بين المصلحين والمنافقين، تُفعل آلة التشويه، فيُرسم للمصلح وجه الغادر، وتُنسج حوله الأكاذيب، ويُخيفون الناس من مجرد الاقتراب منه. لا يُسمح في المدينة إلا بالصوت الواحد، والرأي الواحد، والولاء الأعمى. ومن خالف، فالتخوين بانتظاره، والنفي، وربما السجن أو التشويه أو النسيان. هكذا تُفرغ الساحة من أهل الصدق، وتُملأ بالوجوه التي لا ترى ولا تسمع إلا ما يُملى عليها.

لكن هذه السنة لا تدوم. فكما لفظت القرى آل لوط لأنهم يتطهرون، فها هي اليوم تنشد رجالًا يتطهرون. الناس، وإن خافت، لا تنسى. والضمائر، وإن صمتت، لا تموت. والإصلاح، وإن طال طريقه، لا يُعدم السبيل. فمن خرج بالأمس مطرودًا، قد يعود غدًا مرفوع الرأس، لأن الفكرة لا تُنفى، والحق لا يُطفأ، والماء الطاهر لا يختلط بالوحل، وإن حاولوا.

ما تزال التهمة قائمة: "إنهم أناس يتطهرون"، ولكنها، في حقيقتها، وسام. لأن الطهارة، في زمن القذارة العامة، بطولة، والإصلاح، في عهد الخراب الرسمي، مقاومة. ولسوف يأتي زمن تُقلب فيه الموازين، ويُبجل فيه من تطهر، ويُسأل فيه الطغاة عن جريمتهم الكبرى: أنهم حاربوا أنقى من فينا.