الجمعة 16 يناير 2026 الساعة 07:11 م

مقالات وآراء

ملف قيادة وملف أمة

حجم الخط

 

(لا تنسونا من دعائكم) تلكم آخر رسالة وصلت من الأسرى الذين يخوضون إضرابًا عن الطعام، بهدف استعادة حقوقهم الحياتية اليومية بحسب القانون الدولي من السَّجان الذي صادرها ظلمًا وعدوانًا، مستفردًا بالأسير المقيد بالحديد، في ظل أمة غافلة، وقيادة لاهية.

 

ملف الأسير ملف قيادة، وملف أمة، أو قل ينبغي أن يكون كذلك، أما أنه ملف قيادة حيّة، فهنا أذكر تجربة القائد الأول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي لم يعرف النوم ليلة أسر العباس بن عبد المطلب في يوم بدر، ووضع الحديد في قدميه، فقال – صلى الله عليه وسلم – أطلقوا سراح العباس، وكررها، حتى أطلق سراحه بفداء معلوم، فنام صلى الله عليه وسلم.

 

وأذكر هنا أيضًا تجربة القائد المحرر صلاح الدين الأيوبي – رحمه الله – حيث يذكر ابن شداد، أنه بعد حطين وتحرير بيت المقدس، انكسر جيش المسلمين في عكا، ووقع ثلاثة آلاف منهم في الأسر، فعسكر صلاح الدين خارج أسوار عكا يعد الجيش لاستخلاص عكا والأسرى من ريتشارد قلب الأسد، بعد أن فشلت المفاوضات، والفداء، والمبادلة، وكان رضي الله عنه طيلة الفترة يدور حول أسوار عكا ويبكي بكاء الأم الثكلى، يريد أن يستكمل الإعداد للتحرير، حتى جاءه خبر مقتلهم جميعًا على يد ريتشارد قلب الأسد، فأجهش بالبكاء، واعتذر لله، وللجيش، وأقسم على الثأر.

 

من هاتين التجربتين الكريمتين ندرك، أن ملف الأسرى هو ملف قيادة، لأن من أرسلهم إلى السجن هو القائد، ومن يملك قرار النداء، والتحرير والحرب هو القائد، ولا يجوز التقاعس، أو التسويف في هذا الملف، لأن من أوصل القائد إلى القصر هو الشهيد وهو الأسير، ولا قيمة لقيادة تهمل أسراها.

 

وأما أنه ملف أمة، فقد قال بذلك جمهور الفقهاء الذين أوجبوا على ولي الأمر إنفاق كل مال متوفر في بيت مال المسلمين من أجل فك أسر الأسير، فإن لم يف بيت المال بالواجب أخذ ولي الأمر من مال الأمة الخاص وأكمل العجز، فإن فشل المال بالتحرير، وجب عليه استخدام الجيش وخوض معركة تحرير الأسرى بالقوة، وهنا يكون للعلماء، وللجنود، وللأغنياء، وللإعلام، وللسفارات، والمؤسسات، والمجتمع المدني، دور في جعل هذا الملف ملف أمة حية، لا ملف يوم ومناسبة سنوية.

 

وأحسب أن تجربة (ملف شاليط)، ومن ثم صفقة التبادل المشرفة، التي أفرجت عن (1047) أسيرًا وأسيرة، قد أخذ قادتها، والمتابعون لها بتجربة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وبتجربة صلاح الدين الأيوبي – رحمه الله – حين جعلوا من ملف الأسرى ملف قيادة وملف أمة، فقدموا الشهداء يوم الأسر لشاليط، وتحملت معهم الأمة في غزة والضفة ضريبة الاحتفاظ به إلى خمس سنوات، حتى نجحوا بفك القيد عن هذا العدد الكريم من الأسرى.

 

وحين أقول ملف (أمة-وقيادة) فإني لا أعني الفلسطيني فحسب، بل الأمة العربية والإسلامية، لأن الأسير كان يدافع عن كرامة أمة ودين.. أمة كاملة، ولا يجوز لقائد أن يترك إدارة هذا الملف إلى مستوى أدنى لا يملك القرار، أو أن يتحول الملف إلى خطابة ومهرجان وإعلام على ما للخطابة والمهرجان والإعلام من فضل، لأن خارطة الطريق أهم مما للعواطف من أثر واحترام. والسلام على الأسرى ودعواتنا لهم بالحرية ونجاح إضرابهم.