يحمل عبق شهر نيسان ذكريات أليمة على قلوبنا، وتهب رياحه في سماء فلسطين تحمل في طياتها رائحة عطرة لرجال قادة عظماء صنعوا التاريخ ومجد الأمة العريق .. رجال جعلوا من حياتهم مرفأ يقف عليه الثائرون والأحرار .. رجال كانت فلسطين عشقهم أحبوها أرضا وتاريخا وحضارة وأحبتهم رجال مرابطين شامخين .. رجال صنعوا تاريخ الجهاد والمقاومة في عصرنا الحديث .. رجال كانت حياتهم الجهادية دروس وعبر في التضحية والفداء والعمل الدءوب .. رجال عظماء حملوا لواء الجهاد المقدس ورفعوا رايات المقاومة والتحرير .. ورفضوا سياسات التفاوض الانهزامية .. رجال أحبوا فلسطين من بحرها إلى نهرها .. رجال أعطوا الأمل بالنصر والتحرير والعودة إلى تل الربيع وربوع حيفا ويافا والجليل .. رجال كانت للقدس والمسجد الأقصى مكانة ثائرة في حياتهم الثائرة ... رجال نتذكرهم و تتذكرهم شوارع الوطن وأزقة المخيمات والحارات ..رجال تتذكرهم الخطط والاستراتيجيات العسكرية ... هم الرجال أصحاب الهمم العالية والعزائم الراسخة ... هم الرجال الثابتون على الحق والمحافظون على الثوابت والمبادئ الوطنية .. تلوح في شهر نيسان ذكريات عظيمة على قلوبنا وتمنحنا الكثير من الدروس والعبر في الجهاد والفداء والتضحية، إنها ذكرى استشهاد القائد الكبير أبو جهاد الوزير في السادس عشر من الشهر، وذكرى استشهاد القائد الكبير عبد العزيز الرنتيسي أسد فلسطين الهصور في السابع عشر من الشهر نفسه، فقد جمعت الشهيدين رحمهما الله الكثير من الأهداف والغايات والآمال التحررية التي عملوا من أجلها وقضوا حياتهم في العطاء والبذل والتضحية والعمل المتواصل حتى قطرات الدم الأخيرة في أرواحهم، فقد مثل القائد أبو جهاد في الستينات والسبعينات والثمانينات أخطر شخصية فلسطينية بالنسبة للعدو الإسرائيلي، الذي كان يعتبر " أبو جهاد" وزير الدفاع الأول والعقل المدبر والمسئول عن للكثير من عمليات العسكرية التي كان تنفذ ضد الكيان الصهيوني، فقد كان القائد أبو جهاد صاحب خبرات عسكرية كبيرة، وشغل وقته في التخطيط للكثير من العمليات العسكرية، فقد كان يقضي ليله في التنقل من مكان لآخر لمتابعة تنفيذ العمليات العسكرية، وقد فشلت المخابرات الإسرائيلية فشلا ذريعا في اغتياله أكثر من مرة، و كانت مطاردته وملاحقته تعد الأطول في تاريخ المخابرات الإسرائيلية على مدار 23 سنوات من التخطيط من أجل اغتياله، فقد بدأت " إسرائيل " التفكير في اغتيال القائد أبو جهاد في آب 1964م عندما توجه رافي ايتان رئيس بعثة الموساد " الإسرائيلية " في باريس إلى رئيس الموساد مئير عميت وطلب موافقته على خطة الاغتيال خلال انعقاد مؤتمر طلاب الجامعات الفلسطينيين في ألمانيا الغربية، وفي منتصف العام 1965م أنشى الموساد الإسرائيلي لجنة استخبارات سرية حددت هدفها في اغتيال القائد أبو عمار والقائد أبو جهاد، وفي عام 1970م وافقت رئيسة اللجنة غولدا مائير على أمر اغتيال مركز للقائد أبو جهاد، وجمعت مادة استخبارية عنه في ملف رسمي اسمه " عرض الهدف ".
كما خطط القائد أبو جهاد لعدد كبير من العمليات العسكرية، كان أشهرها وأكبرها تلك العملية التي نفذت في 6/3/1975م نفذت في فندق سافوي الإسرائيلي عندما تم الاستيلاء على مبنى الفندق وقتل ثلاثة جنود إسرائيليين وبواب الفندق وسبعة ضيوف آخرين، فيما أسفرت العملية عن استشهاد سبعة من رجال المقاومة الفلسطينية الباسلة، وفي الرابع من تموز 1975م خطط القائد أبو جهاد لعملية تفجيرية في ميدان صهيون بالقدس كانت من العمليات الكبرى وأسفرت عن مقتل 15 صهيوني، كما خطط أبو جهاد في الثمانينات لعدد كبير من العمليات العسكرية، وفي 16/4/1988م قامت "إسرائيل" في تنفيذ عملية اغتيال له في منزله في تونس وقد كانت عملية في غاية التعقيد، تم الإعداد لها منذ شهور طويلة حسب التصريحات الصهيونية عن عملية اغتياله .
أما القائد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أسد فلسطين فإن ذكراه تحمل الكثير من الشجون والآثار الطيبة لهذا الطبيب الثائر، فهو المحبوب في قلوب الناس رجالها وشبابها وشيوخها، وكبارها، ولازلنا نتذكر خطاباته وهو يحمل سلاح " الكلاشينكوف " ويقول بأعلى صوته لن تحرر فلسطين إلا بهذا السلاح، فقد تعرض القائد المجاهد الرنتيسي رحمه الله لأكثر من عملية اغتيال باءت بالفشل، كما أن السجون الإسرائيلية لم تستطع أن تضعف من عزيمته وقوته في مقارعة الأعداء، فقد كان يخرج من السجن في كل مرة أكثر قوة وصلابة على مواجهة الأعداء وعبر كافة وسائل وأساليب المقاومة.
وبدأت قصة كفاح القائد الرنتيسى رحمه الله منذ أن لجأت أسرته إلى مخيم خان يونس وكان عمره وقتها ستة شهور حيث اضطر إلى العمل ليساهم في إعالة أسرته، ثم توجه لدراسة الطب في جامعة الإسكندرية، ونال درجة الماجستير في طب الأطفال، ثم عمل طبيبا في خان يونس عام 1976 ليخدم أبناء شعبه، كما عمل محاضرا بالجامعة الإسلامية لينهل الآلاف من الطلبة من علمه الوفير، وفى ليلة التاسع من ديسمبر 1987 اجتمع القائد الرنتيسي هو وقادة حماس ليتخذوا قرارهم التاريخي بإشعال الانتفاضة الأولى في قطاع غزة ضد المحتل انطلاقا من المساجد، وفى ديسمبر 1987م شارك القائد الرنتيسي في تأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس، وقد كان الرنتيسي رحمه الله في جميع محاضرته يحث الشباب على الجهاد والدفاع عن أرض فلسطين، و كان يردد بيت الشعر الذي يقول :
وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا **** إذا لم يكن فوق الكرام كرام
وللرنتيسي القائد الفذ مقولات تُسطر بماء الذهب على جدران تاريخ فلسطين الحديث وتسجل بالدماء في أوراق الثورة الفلسطينية عندما قال في خطاب له ( إن الموت آت لا محالة, بالأباتشى أو بالسرطان أو بأي شيء آخر, ولكنني أرحب بالموت بالاباتشى ) هكذا قال الدكتور عبد العزيز الرنتيسى قبل استشهاده، فقد عاش القائد على المبدأ ومات بالطريقة التي تمناها شهيداً بإذن الله، فقد صدق الله فصدقه الله ، كما كان للرنتيسي الكثير من المقالات وكان شاعرا وأدبيا صدر له عدد من دواوين الشعر الثوري.


