1- مدخل.
مهما كتب الكاتبون، وحلل المحللون ليصفوا الدمار الشامل الذي أحدثه مبارك في مصر فلن يفوه عُشْر حقه. والبعض يفسد وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، ومبارك ليس منهم. ولكن "مبارك" من النوع الذي يفسد عن سبق التصميم والخطة الموضوعة، والمخطط المرسوم، والتفاصيل الدقيقة والسيناريو المرسوم له. لقد أرجع بلداً عظيماً كمصر عشرات السنين إلى الوراء، وأفقرها وجهّلها وقزّم دورها وصغرها وحقرها ومرمطها. وماذا نقول بعد؟!
"مبارك" من أسماء الأضداد. فلا ذرة من بركة فيه ولا في عهده. ولا حسن تنطوي عليه هذه الشخصية المعقدة الملتوية المليئة بالتشوهات والانحرافات. والخطير أن إعلامهم الحقير كان يحاول أن يرفع شعارات من مثل: البناء والتعمير، والتقدم والتطوير، والتصنيع والتحضير.
ومن مثل: من أجلك أنت. ومن أجل مصر. ومن أجل أولادك.. ألخ. ومن أحقر ما صنع "مبارك" أنه أورث جيلاً من الفاسدين، يحتاج إلى جيل من المصلحين يتفرغ لقلعهم من مفاصل الدولة، هذا إن ابتدأ المشوار. الخراب في كل صعيد هو عنوان العهد غير السعيد.
ويكفي أن أستشهد بكلام وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون قبل أيام من كتابة هذه الكلمات، تقول: إن ما سرّب وهرّب من أموال مصر في الــــ15 سنة الأخيرة يعادل (5) ترليونات دولار. بمعنى أن في كل بيت مصري مليونيرات.
2- في باريس حكايات أخرى!!
هذا هو عنوان الفصل الخامس في كتاب هيكل. ويقصد بقوله في باريس حكاية أخرى أنه وغيره كانوا يستغربون من تعيين مبارك خليفة أو نائباً للسادات في حياته أما في باريس فالأمر مختلف. والآن نعود إلى هيكل وكتابه ونصه، يقول: ربما كان اختيار مبارك نائباً للسادات مفاجئاً. لكن كما أبدت لي الظروف لم يكن مفاجئاً لغيري. يقول في صباح يوم من يناير عام 82 في قصر الإليزية في باريس، وكنت على موعد مع فرانسوا ميتران، وكانت أول مقابلة بعد أن أصبح رئيساً لفرنسا. يقول: عرفته -أي ميتران- منذ عام 74 ودعوته لزيارة القاهرة ولبى، ولعشرة أيام كان ضيفاً على الأهرام. وقد كتب ميتران عن هذه المقابلات في كتابه "حبة في السنبلة" فصلاً كاملاً، يقول: (وذهبت به إلى بيت السادات في الجيزة).
(ونعود إلى باريس الآن) والتقينا أنا وميتران في بيته في حي سان جيرمان، وكنا نجلس في مكتبه كل يوم ساعات الصباح، ونذهب إلى الغداء في مطعم قريب مشياً على الأقدام.. وهذا على مدى أيام.
ولما انتخب رئيساً لفرنسا سنة 81 واعترض على الاعتقالات في مصر هدد السادات بقطع العلاقات مع فرنسا. وبعد الإفراج عن هيكل سنة 82 زار فرنسا، وأبلغ ميتران بقدومه فدعاه إلى إفطار، وسأله عن علاقته بمبارك. وقلت له: إن مبارك يستطيع أن يتعلم من منصبه. فقال في إشارة سريعة: إن بعض الناس عندنا يعرفونه جيداً. (هكذا بالضبط) (ولا تسل عن بعض الناس!).
ولما سأله هيكل عن بعض الناس ابتسم وقال: "أسباب دولة" حتى في فرنسا الجهات الأمنية هي تحكم. يقول هيكل: وذكر ميتران أكثر من مرة: "الكسندر دي ميرانش" الذي كان مديراً للمخابرات الفرنسية وبتجربة صحفي فقد راودني الإحساس بأن في باريس من يعرف أكثر عن الرئيس الجديد وأن "ميرانش" أحدهم.
ويذكر هيكل على طريقته في الاستطراد اجتماعه مع جيسكارديستان ومن ثم ميرانش. وكيف شرح له الأخير أن فرنسا دولة عظمى وإن وافقت على استقلال مستعمراتها وأنها لا تستغني عن علاقاتها بأفريقيا.. وأن فرنسا أكبر مستهلك للطاقة في أوروبا. وأن فرنسا دولة متوسطية ولا تقبل بأي خطر يهدد المتوسط لأنه سقف أفريقيا. وأن فرنسا تتعاون مع دول في المنطقة وأن فرنسا أقنعت أمريكا وإسرائيل ألا تدخلا ضمن مجموعة التعاون، على أن تكونا على علم بما تقوم به المجموعة. وأنهم اختاروا للمجموعة اسماً هو: "سافاري"، اسم رومانسي لا يستطيع تحديد معناه أحد إلا إذا كان في اللعبة. كما يقول هيكل. وأضاف ميرانش أن الحسن في المغرب وفيصل في السعودية، وبهلوي في إيران والسادات في مصر تعاونوا مع فرنسا في هذه المهمة. وسأل هيكل ميرانش إذا كانت الدول الموقّعة هذه تعلم بموقف أمريكا وإسرائيل وأنها على علم فأجاب أنهم بالطبع يعرفون!
وقال ميرانش مشيراً إلى السعودية: إن الإسلام يجب أن يلعب دوراً أساسياً في حماية النفط (عظيم جداً!) وقد بدأوا بالفعل جهوداً مشتركة مع علماء السعودية، وهذه الجهود تلقى تشجيعاً من مصر(!!)
يقول هيكل: كنت أسمع باهتمام متفكراً في قدرة الدول الكبرى على عرض مصالحها الدائمة في ظروف متغيرة، وكيف تغطي فعل حرب خفية بغطاء الثقافة والحضارة وحتى الأديان.
يقول هيكل: وجاء ميتران بعد ديستان وقابلته مرة أخرى وقابلت ميرانش وبدأ نشر كتابي في الفيجارو الفرنسية: "عودة آيات الله" وكان الخميني أذن لي بالاطلاع على الوثائق التي حازوها، فطلعت على نصوص المعاهدة. وكان هيكل قد نشر الأسماء التي ذكرتها قبل قليل وإن من وقع على المعاهدة هم: ميرانش عن الرئيس ديستان، وكمال أدهم مدير المخابرات السعودية عن الملك فيصل، والجنرال الدليمي مدير المخابرات المغربية عن الحسن الثاني، والجنرال ناصري مدير السافاك الإيرانية عن بهلوي شاه إيران، وأشرف مروان عن السادات. وتضايق ميرانش وطلب عدم نشر هذه المعلومات في الكتاب بعد نشرها في الفيجارو والتقينا في فندق ريتز، فسألته: يظهر أنك تعرف رئيسنا الجديد. فقال: طبعاً أعرفه. ثم قال ميرانش: بعد فضيحة التنصت "ووترجيت" وسقوط نيكسون، فإن وكالة المخابرات المركزية (CIA) وهي العملاق الأكبر في المخابرات تعطلت، فكان لا بد أن نتحرك، فدعونا أصدقاءنا وأصدقاء أمريكا كي يتعاونوا، وكانت السعودية جاهزة بالتمويل، وكنتم في مصر جاهزين بمعسكرات التدريب، والمغرب بعناصر بشرية، وشاه إيران بكل الوسائل.
وكان معنا أشرف مروان، ثم اختفى وظهر مبارك مكانه. أعرفه طبعاً، كان معنا في جلسات "السافاري" حيث عقدناها مرات في جدة، ومرات في القاهرة، ومرات في طهران، وكذلك مرات في المغرب.
ثم سأله هيكل عن مجال ما كان مبارك مهتماً به، فقال إنه لا يستطيع أن يدخل في تفاصيل عمليات بالذات! (طبعاً طبعاً)
ثم قال ميرانش: عرفت "مبارك" سنة 71 في صفقة طائرات، فقد حصل خلاف بين بعض الذين شاركوا في الصفقة، على حصة كل منهم في أرباح الصفقة، وظهر "مبارك" يصالحهم وهم في الأصل من ضباطه، قال هيكل: وأحسست أن ميرانش عاوده حذر رجل المخابرات فتوقف (وسكت عن الكلام المباح وغير المباح..)
ثم قال ميرانش: زميلي في السافاري الآن على رئاسة الدولة المصرية.. مقادير يا عزيزي (هذا كلام ميرانش لا عبد الحليم خدام).
ثم قال هيكل: وتشاء الأقدار أن ألتقي سنة 2008 في باريس في فندق بريستول مع عبد السلام جلود، ومعي غسان سلامة وزير الثقافة اللبناني الأسبق، وأستاذ جامعي في باريس، وتكلم جلود عن الصفقة نفسها واستفاض في الحديث وقال إن الصفقة وقتها بمبلغ 4 مليارات دولار. والذي سكت هذه المرة هيكل. فقد قال: لكني لا أستطيع أن أنقل كثيراً مما سمعت. (فسكت هيكل عن الكلام المباح بعد أن أدركه الصباح، وقال: فليفصّل جلود إن شاء!) (وضاعت علينا، لكن عوّضناها بمخازي عن مبارك لا تحصى ولا تعد!) وقد استغرق الفصل الخامس قرابة 18 صفحة.
3- لا مؤاخذة.
هذا هو عنوان الفصل السادس من كتاب هيكل. والكلمة أخذها من فم مبارك الذي كان يتكلم بتوسع شديد ويستعمل ألفاظاً لا تتداول في عالم السياسة وتتجنبه الأعراف وبعضها مما يطاله القانون (شتائم وسخة يعني!)
يقول هيكل وكان يشرح ما لا داعي لشرحه (يظنك مثله يا عم محمد). فلما رأى مبارك الاستغراب على وجه هيكل من لغته قال: (لا مؤاخذة.. يا محمد بيه، هذه اللغة التي كنا نستعملها في المعسكرات) (يعني لغة أولاد حارتنا) فقلت له: إني سمعت إيزنهاور يستعملها. فقال: وكمان إيزنهاور؟ (أيوه يا عم حسني ما هو زيّك) ثم علق حسني (العظيم): إنه سمع هذه اللغة من الأمريكيين الذين لقيهم وهو نائب رئيس (حاول تفتكر كويس يا عم حسني صلتك بالأمريكان قبل كده، مش كده والا إيه؟). ثم قال على ذكر إيزنهاور: إن الناس تسمع هذه الأسماء تنبهر وعندما يقتربون منهم يرونهم مثلهم ويمكن أوحش (لا. أوحش منك مفيش!).
ثم قال: حاولت "سوزي" تربيتي (بس دنب الكلب أعوج يا عم حسني!) (ومينفعش فيك التربية) سوزي هي سوزان لمن لم يعرف.
ثم ذكر هيكل أن زكي بدر وزير داخلية مبارك (قذر مثله) شتم فؤاد سراج الدين بكلام بذيء فشكا سراج الدين لهيكل، فكلم هيكل مبارك، فطلب مبارك من زكي أن يعتذر، ويروي مبارك لهيكل عن بدر أنه وهو يعتذر أمامي أعاد أوسخ من الشتائم الأصلية. وتكلم مبارك عن زكي بدر بأوسخ مما تكلم هذا عن سراج الدين. ثم قال مبارك: لا مؤاخذة يا محمد بك الكتابة تعلمكم الشعر ولا تعرفكم الدنيا وما فيها! (أما أنت يا حسني يا من.. فلا تعليم ولا تهذيب!)
ثم سئل مبارك: لماذا لا يغير بدر؟ فقال: لأنه ضابط بوليس وقادر على مواجهة الإرهاب! (نقل زكي بدر خبراته إلى الإمارات!) وتذاكر سراج مع هيكل كيف يكون رئيس مصر على هذه الشاكلة؟ فقال: لا بديل ولا وسائل للبديل. وجمع هيكل بين آغا خان ومبارك فانبهر مبارك بالآغا. وقال لهيكل يشكره: كيف تعرف هؤلاء العظماء؟ وقال هيكل: لقد رتبت لعبد الناصر لقاءات مع كبار مشاهير العالم من ساسة ومفكرين. وقال لي أسامة الباز: أنت تتعب نفسك. هو لن يقابل أحداً. وكان أسامة يعرف عن مبارك أكثر مني.
هذه صفحات من حياة الرئيس الملهم المبهم المدلهم المبارك الذي قاد مصر.. إلى الخراب.. ولنا مع كتاب هيكل: "مبارك وزمانه، من المنصة إلى الميدان" لقاءات أخرى.. فإلى لقاء قادم ستقرأ فيه: اهتمام الرئيس مبارك بحذاء الرئيس تيتو فما الخبر؟
