الإثنين 19 يناير 2026 الساعة 03:14 م

مقالات وآراء

العمل الاغاثي.. الانجازات النوعية وتحديات الهوية

حجم الخط

أفرزت الظروف الحالية أجسام متعددة لاغاثة أهلنا في قطاع غزة، وتصدرت هذه الأجسام العمل الانساني بمختلف صوره ومجالاته ومساراته، وتنوعت ما بين: ( مؤسسات محلية، ودولية، وفرق تطوعية ومبادرين)، وكان من أبرز الأسباب لظهور هذه الأجسام العاملة سواء ظهرت على شكل مؤسسات أو فرق تطوعية، أولا: الحرب المدمرة على قطاع غزة، ثانيا: انهيار الجبهة الداخلية والخدمات الاساسية، ثالثا: ظهور المجاعة، رابعا: عدم قدرة المؤسسات الاغاثية والأجسام الحكومية الموجودة على تحمل الاعباء وإفرازات الحرب.

لذلك كان ظهور مؤسسات جديدة وفرق تطوعية ومبادرين أحد أبرز الاضافات النوعية خلال الحرب، وذلك كونها حققت العديد من النتائج المهمة في ظرف حرج وحساس وبالغ التعقيد، ويمكن إجمال أهم النتائج في:
1- تخفيف الضغط الواقع على الجهات الحكومية والمؤسسات الموجودة في السابق.
2- النجاح في تنفيذ مئات بل آلاف المشاريع المختلفة.
3- المساهمة في تحسين الظروف الانسانية وتوفير الخدمات والإغاثة الأولية ولو بنسب معينة.
4- النجاح في تحويل الأموال لقطاع غزة وتحريك السوق.
5- معالجة الكثير من الأزمات الخانقة وفي مقدمتها ملف المجاعة.
6- حشد الدعم الإنساني وتسليط الضوء على معاناة السكان..الخ من النتائج المهمة.

وهذا لا يعني أن العمل كان نموذجيا ومثاليا فالأخطاء كانت واردة سواء في الجوانب الإدارية أو المالية أو في طرق الاستهداف والتوزيع وهذا عائد لأسباب مختلفة، يمكن تلخيصها في: أسباب متعلقة بحداثة التجربة وعدم توفر الخبرة الكافية، ومنها ما يتعلق بالظرف الأمني المعقد كون جزء كبير من هذه الجهات كانت تحت الاستهداف والمتابعة الدورية، والفوضى التي عمت القطاع واستمرار نزوح الأفراد، وغياب أي قواعد وبيانات دقيقة وكافية، وربما نجحت مناطق وأخفقت أخرى في هذا السياق، إضافة لغياب المسؤولية عند البعض وأقصد بذلك غياب الوازع الديني والوطني الذي يفرض على البعض مراقبة نفسه وأفعاله أثناء تقديم هذه الخدمة ومراعاة الأمانة الملقاة في عنقه.

كل ذلك يضاف إليه ضعف أدوات الرقابة الرسمية والتي كانت عاجزة في ظل ظروف الحرب عن فرض نظام، أو بمعنى أدق تقديم رؤية وطنية متكاملة يمكن أن تشكل إطار مهم لهذا العمل، إنما كانت هناك محاولات بعضها نجح وبعضها لم ينجح نتيجة أسباب عديدة: كون الأجسام الرقابية لم تقدم رؤى ناضجة وكاملة يمكن أن تشكل حاضنة للجميع، وتصوب المسار، وتساهم في حالة تصحيح مستمرة، وهذا ناتج عن قصور في بعض إمكانيات الكادر الرقابي سواء من الناحية( الأكاديمية، أو الخبرة والممارسة، أو مستوى الثقافة والتفكير وتقديم برامج إبداعية)، وحتى نكون منصفين فإن هناك تحديات واجهت العمل الرقابي أيضا متعلقة بالعمل في ظل طوارئ وحالت استهداف ممنهجة.

وفي ذات السياق يمكن الإشارة إلى أن بعض المؤسسات العاملة في غزة واجهت تحديات عدة نتيجة هويتها ورؤيتها ورسالتها التي تنطلق منها، إذ أن ارتباط بعض المؤسسات بهوية ( دينية، أو سياسية، أو فصائلية..الخ) جعلها أمام مصاعب كبيرة حالت دون تطور أدائها بالمستوى المطلوب، كون المعايير الدولية تتطلب أو تفرض قيود مختلفة للمؤسسات العاملة في الحقل الإنساني، ومن أبرزها عدم ارتباط المؤسسات بهوية دينية أو سياسية، واحترامها لكل المعايير الأممية التي تفرض مراعاة حقوق الإنسان، وعدم التمييز أو الانتقائية في تقديم الخدمة على أساس الحزب أو الدين أو الرأي السياسي، وضرورة تمثيل المرأة في الجسم المؤسسي.

لذلك تقدمت بعض المؤسسات ونجحت في تخطي دورها وتأثيرها المحلي وصولا لتأثير كبير على مستوى ( الداعمين، والشركاء) وأصبح لهم شراكات مع كبرى المؤسسات العالمية، حتى أصبح البعض منها يتلقى دعم أممي بصورة منتظمة، ويحصل على موازنات غير مسبوقة ماليا، وينجح في تسويق مشروعات كبيرة ونوعية، بينما أخفقت مؤسسات أخرى في تطوير العمل وبقت تراوح مكانها، وذلك نتيجة تصنيفها المرتبط بالهوية والرؤية والرسالة، وعدم قدرتها على تطوير ذاتها وإجراء حالة تصحيح في الجسم المؤسسي بما يتناسب مع المعايير الدولية، وذلك لاعتبارات متعددة متعلقة ( بالمعتقد، أو طريقة التفكير، أو عدم الفهم لطبيعة التحولات التي تحدث في هذا العالم، والتفكير بمنطق متواضع لا يؤمن بالتطوير).

لكل ذلك وفي ضوء هذه المعطيات فإنني أنصح بالتالي:

1- تعزيز دور الرقابة الرسمية من خلال ضم كوادر ذات خبرة من كفاءات وطنية قادرة على تقديم البرامج والرؤى المنظمة والواقعية، على أن لا يكون الدور الرقابي( تسلطي، أو قمعي) إنما يكون في إطار النصح والتوجيه والمساندة بغرض تصويب مسار العمل الاغاثي وتعزيز أي دور في هذا السياق، والتشجيع على الشراكات والتعاون وتكوين الائتلافات وفق صحيح القانون.

2- أن تقوم المؤسسات والفرق العاملة بتصويب أوضاعها المالية والقانونية وتوثيق كل الاجراءات في إطار تطوير العمل وتعديل المسار وتفادي أخطاء الماضي، وإتباع معايير عادلة في التوزيع، وتقديم مشروعات تأخذ الطابع التنموي، لخلق فرص عمل وتمكين السكان من الحصول على خدمة إنسانية تحفظ الكرامة.

3- دعوة كل المؤسسات المرتبطة بأجسام دينية أو سياسية لإجراء تعديلات فيما يتعلق بالهوية، وذلك حتى توسع من حجم التمويل، وتتجاوز كثير من التحديات، وتضمن تدفق الأموال بصورة منظمة دون عوائق، وحماية مؤسساتها وكوادرها من الاستهداف، والاستفادة من التمويل الأممي الذي يستهدف عديد من البلدان، والحصول على شراكات جديدة، وضمان الحصول على تمويل على المستوى العالمي، وتمكين المؤسسة من التطور في تقديم خدمات إضافية ذات مستويات مهمة وغير مسبوقة، والالتفاف على أي محاولة للتعقب والحظر وتفادي أي إجراءات عقابية سواء من جهة الاحتلال أو شركائه أو حلفائه في هذا العالم.