الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 10:33 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

فلسفة الصبر 1/ 2

حجم الخط

فلسفة الصبر أن تدع السنين تعمل عملها، وأنت تقوم بعملك، فيلتقي العملان على أمر قد قدر. ولا يقف عدو مهما كان لعمل الأقدار وعمل البشر المنسجم مع الأقدار، فيكون الرمي عن قوس واحدة: يد البشر ترمي، ويد خالق القدر ترمي، كما قال الكتاب الكريم: "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً، إن الله سميع عليم" الأنفال17.

1- الاستعجال طبيعة البشر وسنة خلقية فيهم:

ليس أبلغ من وصف الله طبيعة البشر بأن الإنسان مخلوق مجبول بالعجلة ومن العجلة، واقرأ قول الله في سورة الأنبياء: "خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون"37.

ووصفت طبيعة الإنسان في القرآن في سورة الإسراء بأنه عجول: "وكان الإنسان عجولاً". والإنسان تعني أنها سنة عامة في كل إنسان، وليس الإنسان الكافر كما تقول بعض التفاسير. وبدلالة أنه حتى النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الاستعجال، فقال الله له: "فلا تعجل عليهم" مريم84، "ولا تعجل بالقرآن" طه114، "ولا تستعجل لهم" الأحقاف35 وغيرها. وخاطب الله موسى بقوله: "وما أعجلك عن قومك يا موسى".

ومع أهمية الموضوع فإنا لا نستطيع استقصاء موارده حتى لا نطيل. لكن يكفي أن نقول إن "تستعجلون" وردت 6مرات "ويستعجلون" وردت 3مرات، ووردت "يستعجلونك" 4مرات. وبينت آيات 3 أن طبيعة البشر أنهم "يحبون العاجلة". أما عدد صيغ هذه المادة في القرآن (سوى 8مرات ورود العجل) هي:22 صيغة وأما عدد الورود فهي: 37مرة. وآخر مرة وروداً في القرآن من مادة عجل المفيدة التسرع لا السرعة هي آية الإسراء السابقة آية11.

وقد خلق الله الإنسان بهذه الطبيعة لا ليستسلم لها، ولكن ليمتحن بها وليقاوم، وليفوز بالجنة ثمرة للمقاومة وجزاء على المجاهدة..

ومن رحمة الله ولطفه أنه لا "يعجل للناس الشر" يونس11.

ولو كان يعجل للناس كما يطلبون ويستعجلون "لقضي إليهم أجلهم" ولما "ترك عليها من دابة"، و"لعجل لهم العذاب"

وربما لو كان عجل، وحاشا، لفقدنا كرام الصحابة، فهم قد قاوموا الدعوة، ثم أصبحوا أعظم جندها بعد النبي والصدّيق.

2- الصبر نصف الإيمان:

كثيراً ما يردد العلماء والمذكرون أن الإيمان نصفان، نصف صبر ونصف شكر. والصبر ينتظم كل الإسلام. فالعقيدة صبر على ما تعتقد حتى يتجلى لك يقينه عياناً. والعبادة صبر على القيام بها، ومجاهدة النفس، ومغالبة الهوى حتى يأتيك اليقين بالموت وتنال جزاءك "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" والأخلاق من أمهاتها وأصولها: الصبر فمجامع الأخلاق تلتقي عند جذر الصبر. ومخالطة البشر ما أحوجها إلى الصبر. فكم من معوج تضطر للاصطبار على عوجه. وكم شريك، وكم زميل عمل، وكم تمر بك أشخاص في كل يوم لولا الصبر ما احتملت معشرهم وخلطتهم ومن هنا الحديث الشريف: "الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم".

أما الجهاد بالذات فهذا لا يستغنى فيه عن الصبر ساعة، لأن النصر صبر ساعة فالجهاد حبس للنفس على ما تكره، والقتال بطبيعته "كره لكم"، وبريق السلاح يخطف الأبصار ويغشي على العقول.. ما لم تكن تأوي "إلى ركن رشيد".

والدعوة ميدان ما أحوجه إلى الصبر. فكم من أخلاق صعبة تصادفها، وكم من تعصب وتمترس، وتخندق، واستهزاء، كل ذلك يحتاج إلى تدرع بالصبر، وتذرع بذرائعه.

ولو لم يصبر أقرب الناس بعضهم على بعضهم لم تقم حياة ولم تستقم عشرة، ولم تستمر خلطة ولا صحبة ولا زواج. فالصبر ملح الحياة وملح الأخلاق، وبالفعل إنه نصف الإيمان، والرجولة كلها.

3- حديث القرآن عن الصبر:

حديث القرآن عن الصبر حديث طويل، والحديث عنه يطول، لكنا نقتصره ونختصره ببعض جوانبه..

فأولاً من الناحية الإحصائية لمرات الورود. فقد وردت هذه المادة في (25) صيغة، و(103) مرات.

ويكفي أن نستحضر من هذه المرات التي نيّفت على المئة بعضاً يسيراً. فحتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو أصبر الخلق يؤمر بالصبر "فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل" ويربط بعدم العجلة "ولا تستعجل لهم" ويؤمر بالصبر الجميل: "فاصبر صبراً جميلاً" وبالمختصر فلقد أمر النبي بالصبر (19) مرة. والمؤمنون مأمورون بأمر نبيهم، وبأوامر خاصة بهم: "اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون" ويكفي أن القرآن ربط الفلاح بالصبر. وتكرر الصبر في "الدورة" التي درس فيها موسى عند العبد الصالح في سورة الكهف 5مرات، دلالة على أن العلم لا يتحصل إلا بالصبر. بل إن المسألة كلها كانت دورة مكثفة لموسى في الصبر.

ويكفي أن نستحضر في فضل الصبر أن الله "مع الصابرين" "والله مع الصابرين" "والله يحب الصابرين" وأنهم مبشرون بكل خير وبالنصر: "وبشر الصابرين" والإمامة شرطها الصبر: "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا" وامتحانات الحياة إنما هي حتى "نعلم المجاهدين منكم والصابرين".

وقد وردت في الجهاد والمواجهات صيغة: "ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين" والإفراغ كناية عن الاحتياج إلى كم كبير من هذا الصبر. ويكفي أنه ذكر أي الصبر قبل الصلاة في الاستعانة به في مواجهة صعوبات الحياة: "واستعينوا بالصبر والصلاة"، "يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة"، وعدونا هو الآخر يتسلح بالصبر. ومن هنا جاءت الأوامر بالمصابرة أي التغلب على العدو في الصبر والتفوق عليه. فمعينك على الصبر إيمانك بالله ورجاؤك في الآخرة، ولذا فإن مَعينك منه لا ينضب. بينما صبر عدوك حمّية وعن تعصب وغضب، وهذا سرعان ما ينضب. فشتان بين صبرين! صبر يستمد من الله ويبتغي وجه الله، والآخر منبت عن الله لا يطلب رضاه! "إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى".

على أن آخر صيغ الصبر وروداً في القرآن هي صيغة "صبّار" وقد وردت 4مرات.. في جميعها "لآيات لكل صبار شكور" أي أنها جمعت طرفي الإيمان: الصبر والشكر. فآخر مرات الصبر هي أكثرها نضجاً واكتمالاً: صيغة صبّار. فتأملّ! والصبار هو الذي يصبر ويصبر مهما ثقل الضغط وتعددت المواقف.

ولعظيم شأن الصبر، فإن عدة سور ختمت بالوصاة به ومعلوم أن خواتيم السور جامعة لموضوعات السور، ولجليل الشأن من القضايا والموضوعات. ومن السور التي اختتمت بالصبر سورة آل عمران، وقد مرت بنا الآية قريباً.

واستمع الآن إلى آية ختام سورة يونس: "واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين"109 وهو المعنى الذي افتتحنا به حديثنا هذا. أي اصبر حتى تعمل السنن الإلهية عملها، لأن سنته اقتضت إمهالاً وإعطاء فرصة. أفلا يستحق من سيخلد في جهنم إذا كفر أن يعطى فرصة، وإن طغى في هذه الفرصة وبغى على عباد الله وآذاهم وأساء كما هو حاصل مع عدونا. لا تنس أنه سيخلد في جهنم، فدعه يعربد، وأمهله رويداً.

وختام سورة هود وإن لم يذكر الصبر فإنه ذكر معناه: "وانتظروا إنا منتظرون. ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون"123. وأما قصة يوسف فعمودها الصبر.

وكثير من سور القرآن إما موضوعها الرئيس وإما ختامها المباشر، وإما ختام في معنى الصبر، واستمع ختام النحل: "واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون".

وهذا ختام طه يأتي بمعنى الصبر: "قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوى ومن اهتدى"135

وكذا الأنبياء. وهذا ختام الروم: "فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون"60.

وختام الصافات استغراب من استعجال الكافرين العذاب. وسورة ص التي محورها الصبر تختتم بقوله تعالى: "ولتعلمن نبأه بعد حين." وهو يفيد معنى الصبر قطعاً.

وختام الشورى يفيد صيرورة الأمور إلى الله.. ففيه معنى الصبر. وكذا ختام الزخرف "فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون". و"سوف" هي التي تشير إلى السنن والزمن المقتضي كل ذلك الصبر. وكذا الدخان "فارتقب إنهم مرتقبون".

أما ختام الأحقاف فواضح صريح: "فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، بلاغ، فهل يهلك إلا القوم الفاسقون"، وكذا الطور "واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم."..الخ.

وتأمل الموافقات أن السورة رقم (103) هي سورة العصر التي آخر كلماتها: "وتواصوا بالصبر" هذا الصبر الذي ورد في القرآن (103) مرات. فتأمل. وحديث الصبر موصول فاصبروا..