الإثنين 19 يناير 2026 الساعة 03:06 م

مقالات وآراء

معركة البقاء اليومية

حجم الخط

منذ اندلاع حرب الإبادة، لم يعد اقتصاد غزة مجرد أرقام منهارة في تقارير، بل تحوّل إلى عبء يومي ثقيل يلاحق الناس في أدق تفاصيل حياتهم. الحرب لم تدمر المباني فقط، بل ضربت جوهر الحياة الاقتصادية، فجردت الغالبية من مصادر دخلها ودفعت المجتمع بأكمله إلى حافة العوز والانكشاف.

اليوم، يعتمد نحو 95% من سكان القطاع على المساعدات بعد أن كان الاعتماد قبل الحرب بحدود 55%. هذا التحول الخطير لا يعكس سخاء المساعدات بل انهيار القدرة على العمل والإنتاج، والمساعدات مهما بلغت لا يمكن أن تكون بديلا عن اقتصاد حقيقي، بل تتحول مع الوقت إلى شريان هش قد يُقطع أو يُسيس في أي لحظة -وهذا ما حدث خلال الشهور الماضية-.

سوق العمل شبه مشلول؛ والبطالة تحوم حول 80% ونسبة المشاركة في القوى العاملة انخفضت بشكل حاد، ما يعني أن آلاف الغزيين لم يعودوا يبحثون عن عمل أصلا بعد أن فقدوا الأمل، هذا ليس مجرد ركود بل انهيار بنيوي يهدد رأس المال البشري ومستقبل أجيال كاملة.

في المقابل، يتآكل الدخل لمن بقي لديه راتب، مع صرف جزئي لا يواكب تضخما جامحا، حيث قفزت الأسعار لمستويات غير مسبوقة بسبب شح السلع وتدمير سلاسل التوريد، فتحولت رحلة التسوق إلى معادلة مستحيلة وأصبح الاختيار بين الأساسيات قاسيا ومهينا.

اقتصاد غزة اليوم عالق في حلقة خانقة، بطالة مرتفعة ودخل متآكل وأسعار ملتهبة ومساعدات لا تصل. وفي النهاية، يدفع المواطن ثمن هذا الانهيار الشامل، إذ يعيش تحت ضغط دائم لتلبية أساسيات الحياة في واقع يفتقر لأي استقرار اقتصادي.