الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 10:08 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

الحبل السردي

حجم الخط

1- مدخل.

 في سلسلة الحابل والنابل نتحدث في هذه الحلقة عن "الحبل السردي"، وهو مصطلح التقطته من كتاب للدكتور صلاح فضل، فأوحى لي بهذه المقالة لتكون جزءاً من السلسلة الطويلة المسرودة.

 

 ونتكلم في هذه الحلقة عن السرد في اللغة واللسان، والسرد عند أصحاب الاختصاص والشان، ونستعرض بعض الكتب المتحدثة عن السرد، على أنّ كتب السرد مئات لا تعد، لكنّا نكتفي بأقل عدد، حتى لا يمل منّا أحد. وإنّما تحدثت عن صاحب التصوير ومصطلحه: "الفجوات بين المشاهد" باعتباره، فيما يبدو، قطعاً للسرد أو لخيط السرد وليس به، يعني وليس كذلك، بل هي فجوات مقصودة من شأنها التشويق من خلال التجسير الذهني الذي يزاوله القارئ.

 فإلى الحبل السردي! بعدما تكلّمنا عن الحبل السُّري والسِّري.

 

 2- "سرد" في اللسان.

 في التعريف اللغوي للسرد في لسان العرب تجد كأنّ صاحب اللسان يعطيك المعنى الاصطلاحي في أدق صوره وآخر تجلياته، وهذا من عبقرية اللسان العربي وصاحب لسان العرب. يقول ابن منظور المصري الإفريقي في معنى الجذر "سرد": "السرد في اللغة: تقدمة شيء إلى شيء تأتي به منسقاً بعضه في أثر بعض متتابعاً. وسرد الحديث ونحوه يسرده سرداً: إذا تابعه. وفلان يسرد الحديث سرداً إذا كان جيد السياق له (قصّاص أو قصاص أو حكّاء أو حكواتي يعني!) وفي صفة كلامه صلى الله عليه وسلم: لم يكن يسرد الحديث سرداً، أيّ يتابعه ويستعجل فيه. (قلت: حتى تتم متابعته وفهم مراده!) (وقلت: وفي هذا قول عائشة وغيرها كان يتكلم بكلمات لو عدها العاد لأحصاها وكانت تعيب على أبي هريرة سرده). وسرد القرآن: تابع قراءته في حدْر منه. والسرد: المتتابع. وسرد فلان الصوم إذا والاه وتابعه، ومنه الحديث: كان يسرد الصوم سرداً. وفي الحديث أنّ رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّي أسرد الصيام في السفر، فقال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر، (وفي حديث آخر أنّه صلى الله عليه وسلم نهى عن سرد الصوم أو السرد في الصوم، وهو هنا بمعنى إما صوم النفل كل يوم أو صوم بلا سحور). وقيل لأعرابي: أتعرف الأشهر الحرم؟ فقال: نعم، واحد فرد وثلاثة سرد.

 

 والسرد: الخرْز في الأديم، والتسريد مثله، والخرَز مسرود ومسرّد. وقيل: سردها نسجها، وهو تداخل الحلق بعضها في بعض. وقوله عز وجل: "وقدّر في السرد" (قال في معناه): على قدر الحاجة. أ.هـ بإيجاز. (وأرى المعنى ضيّق زرد أو حلقات الدرع حتى لا تنفذ منه السهام أو الرماح أو السيوف!)

 وقال في المعجم الوسيط: "سرد الدرع: نسجها فشكّ طرفي كل حلقتين وسمّرهما. وفي التنزيل العزيز: "أن اعمل سابغات وقدر في السرد". وسرد الشيء: تابعه ووالاه. يقال: سرد الصوم. وسرد الحديث: أتى به على وِلاء، جيد السياق. وتسرّد الشيء: تتابع. تسرّد الدمع. وتسرد الماشي: تابع خطاه.." أ.هـ. بإيجاز.

 3- خيط السرد..والحبل السَّردي.

 

 يتحدث الدكتور صلاح فضل عن نجيب محفوظ، فيقول عنه: "يدرك محفوظ بصفاء ذهني غامر، مكمن السحر في بلاغة الحياة النثرية في سياق الوجود المفعم بالعواطف والمرتبط أساساً بقلوب الناس، كما يدرك أنّ هذا اللون من السحر، الذي يتفجر به الخيال الروائي المحاور للواقع يختلف جذرياً عن بلاغة الشعر المحفوظ في عباراته الفاتنة المركبة العميقة. هنا يتجلّى الفارق الواضح في وعي محفوظ بين كتابته ونوع الأدب الذي كان سائداً قبله في الثقافة العربية، مما يسميه أحياناً "أدب الأساتذة".

 

 غير أنّه يمارس في الأصداء التفافاً مقصوداً في اتجاه البلاغة المهجورة، غزواً لبعض مناطق الشعرية التي طالما عزف عنها في صباه، فهو يحافظ على الخيط السردي، لكنه لا يغزل فيه حبالاً طويلة.." (د.صلاح فضل: "الإبداع شراكة حضارية" ط1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2008، ص12)

 ثم يتحدث عن السيناريست محسن زايد، وقد أعاد صياغة قصة لنجيب محفوظ كتبها محفوظ على طريقة "معجم الشخصيات" أيّ أنّه يدع كل شخصية تتكلم في مدى صفحة أو صفحتين دون عرض متماسك للأحداث، فأعاد محسن صياغة القصة، قال فضل: "فقد التقط بعض الخيوط الرفيعة التي طرحها محفوظ ونسج منها رقعة حية غنية بالتفاصيل الباذخة في الصور البصرية والمادة السمعية والروح الإنسانية، أيّ أنّه كسا الهيكل العظمي (في الأصل المحفوظي) لحماً ودماً درامياً حقيقياً.." (د.صلاح فضل، "الإبداع شراكة حضارية" ص21).

 

 ولا أريد أن أعلّق، فموهبة محفوظ شيء وكونه استغلها في فكر غير بنّاء شيء آخر، ودخلت السينما على الخط فحوّلت قصصه إلى صورة بصرية أكثر تأثيراً وأبلغ في السلبية! والعيب ليس في القصة ولا في السينما بذاتها إنّما في استخداماتها!

 4- الفجوات بين المشاهد.

 هذا مصطلح سيد قطب العبقري صاحب التصوير الفني، ويقصد به أنّ القرآن ترك مساحات قصداً ليملأها الذهن، في عملية تجسير تجعل جمال السرد مضاعفاً، وعبارة سيد: "تلك الفجوات بين المشهد والمشهد، التي يتركها تقسيم المشاهد وقص المناظر، مما يؤديه في المسرح الحديث إنزال الستار، وفي السينما الحديثة انتقال الحلقة، بحيث تترك بين كل مشهدين أو حلقتين فجوة يملؤها الخيال، ويستمتع بإقامة القنطرة بين المشهد السابق والمشهد اللاحق. وهذه طريقة متّبعة في جميع القصص القرآني" ص185.

 

 وأجاد كاظم الظواهري في كتابه الرائع "بدائع الإضمار القصصي في القرآن الكريم"، وهي نظرية سيد عبّر عنها بلغته وأسلوبه، على أنّ الظواهري يعترف أنّ كتابه إنّما هو بذور التقطت من التصوير الفني، يقول في ما سماه الإضمار: "إنّ هذه العبارات الموجزة المعبرة عن هذه الأحداث الجليلة المستفحلة في ضخامتها بالنسبة لنا نحن البشر، هي أسلوب قرآني مقصود للقفز فوق هذه الأهوال الجسيمة وأحداثها العظام وكأنها لا شيء، لينتهي إلى ما هو أولى بالتركيز عليه من أحداث القصة وإتمامها.." ص90.

 

 5- القَطْع.

 وهذا المصطلح مساو أو مواز لمصطلح الفجوات. يقول الدكتور يوسف حطيني في كتابه "ملامح السرد القرآني" في تعريف القطع: "أحد مصطلحات النقد السردي، ويقصد به الإسقاط أو الحذف أو الإغفال أو التجاوز، ويحدث القطع حين لا يكون هناك جزء من السرد (كلمات، جمل) تقابل وقائع أو أحداث يدل السياق على أنّها قد وقعت"، ويضرب الكاتب مثلاً من قصة يوسف، قصة السجينين، فيقول: "ويلاحظ القارئ هنا أنّ السياق القرآني لا يشير إلى خروج أحد السجينين وعمله ساقياً عند الملك، بل يذكر رؤيا الملك مباشرة..الخ" ص45.

 وبالمناسبة، فإنّ الكاتب قسّم قصة يوسف إلى أربع حلقات سردية، وهذه هي بإيجاز: الحلقة السردية الأولى: يوسف من حضن أبيه إلى البئر ثم بيعه في مصر. الحلقة السردية الثانية: فتنة امرأة العزيز. الحلقة السردية الثالثة: يوسف في السجن. الحلقة السردية الرابعة: التمكين ليوسف ومجيء إخوته وصولاً إلى تحقق الرؤيا. ص37-64.

 

 وفي فصل آخر تكلّم عما أسماه: "السرد الافتتاحي في القصة القرآنية"، ويتحدث عن سبعة أقسام، ويفصل في قصة داود وسليمان في سورتي سبأ والنمل ويقسّمها إلى 8 حلقات سردية، حتى ص95.

 

 6- السرد القصصي في القرآن الكريم.

 هذا عنوان كتاب ثروت أباظة، وهو اسم في عالم الأدب في مصر كبير، يقول: "أحدث ما وصل إليه الفن القصصي هو "النسق" الذي سار عليه السرد في القرآن الكريم. وقواعد الفن القصصي نبتت من الاستقراء، فالرواية حين نبتت منذ خمسمئة سنة ونيف لم يكن لها قواعد بطبيعة الحال، فحين ألّفت روايات كثيرة، نجح منها ما نجح، وفشل ما فشل. بدأ النقاد يتساءلون لماذا نجح الناجح وفشل الفاشل؟ فكانت هذه القواعد".

 

 وهذه القواعد واردة من الأدب الغربي. وقد كان الأجدر بنقادنا نحن أن يتنبّهوا إلى هذه الفنّية في السرد القصصي في القرآن.

 ويستعرض قصة يوسف بعد أن يستعرض شيئاً من قصة نوح وهود. يقول في شخصيات قصة يوسف الذين باعوا يوسف: "في هذه الآيات نرى قاعدة من أهم القواعد القصصية، فهؤلاء الأشخاص الذين التقطوا يوسف وباعوه، نكرات مسرحية، ولذلك لم تهتم القصة بذكر شأنهم، من هم؟ وماذا كانوا يفعلون؟ ولم ذهبوا إلى مصر؟ كل هذا لا يهم القصة، إنّهم نكرات كان دورهم أن يصلوا بيوسف إلى مصر، وقد فعلوا. إنّهم أداة للحدث، لا تؤثر شخصياتهم في الحدث ذاته. ويعلّق على الآيات: في هذه الكلمات القلائل قمة من القمم الفنية، إنّهم زاهدون فيه لأنهم لا يعرفون قيمته، شأن الجاهل إذا وجد جوهرة من ألماس وظن أنّها من الزجاج.

 ثم يقول أباظة: في انتقالة سريعة وامضة تنتقل قصة يوسف إلى فترة زمنية أخرى انتقالة أشبه ما تكون بالنقلة الفيلمية أو بالنقلة القصصية الحديثة.

 وأروع ما في العرض القصصي: "السرد الفني". ثم يعلّق على مشهد النسوة مع امرأة العزيز، فيقول: براعة في السرد معجزة، هل سمعت في السورة من أولها إلى أن بلغت هذه الآيات أنّ يوسف جميل؟ لم تذكر السورة شيئاً، ولكن كيف قدّمت لك السورة هذه الحقيقة؟ قدّمتها صورة مرئية متحركة أخّاذة تحمل الدليل الذي لا يستطيع أيّ كلام أن يصفه..لقد قطعت النسوة أيديهن!

 

 وتنتقل معه إلى مشهد آخر، حيث يقول: في كلمات قلائل أصبح يوسف على خزائن الأرض. ثم يعلق على مشهد فقْد يعقوب لبصره، فيقول: وهكذا تبلغ القصة قمتها وتكتمل المأساة، إنّ البلوغ إلى القمة هو أصعب شيء في القصة وفي الحياة.

 

 ثم يقول: إنّ الذين وضعوا قواعد القصة كأنّما وضعوها عن القرآن، وبعبارته يقول: "كيف استطاع أولئك الروائيون الذين أنشأوا فن القصة أن يضعوا هذه القواعد، فإذا هي منقولة عن القرآن وقصصه نقلاً يوشك أن يكون حرفياً. نعرف أنّ القرآن تُرجم وأفاد منه "تولستوي" الذي كان يعرف العربية.

 ثم يستعرض قصة إبراهيم، ثم قصة موسى فسليمان، ثم مريم فآدم فيونس..ولا نطيل ونكتفي بما قيل.

 وممن كتب في "السرد القصصي في القرآن الكريم" الدكتور سليمان الطراونة، في الفصل الثاني من كتابه: "دراسة نصية أدبية في القصة القرآنية"، وعنوان الفصل الثاني "أسلوبيات السرد القصصي في القرآن الكريم"، واستغرق من ص95-169 يعني قرابة السبعين صفحة، وهو قد استفاد، كما هو واضح، من التصوير الفني، وإن لم يُشِر له. على أنّ كتابه جيّد، علّي أعود إليه وأعرج عليه في الحلقة التالية.