ملاحظة: فكرة هذه المقالات بدأت قبل الثورات، وأحياناً أضع المشروع وخطوطه الأولية وبعض فقراته، ثم أغيب عن الموضوع أو يغيب عني، وأنشغل بغيره ثم أعود له، وهذا ما حصل مع موضوع السحل!
قلنا إنّ الإنسان إذا نزع منه خشية الله صار وحشاً بل أوحش من الوحش، فالوحش يقتل ليأكل والإنسان يقتل ليقتل! وإلاّ فقل لي ما تقول في جنود دولة "إسرائيل" إذ يضعون، أو بعضهم، علو خوذاتهم "مولود ليَقتل" Born to Kill.
ألم يقتل فرعون ويذبح الأطفال الصغار من بني إسرائيل، فقاموا هم بدورهم يعيدون إنتاج المأساة معنا وبحق أطفالنا دونما جرم ارتكبناه بحقهم! أوليس الأوربيون قد فعلوا باليهود الأفاعيل، وقسم كبير من هذا السلوك تسبب فيه اليهود بجشعهم وأنانيتهم واستعلائهم، ولسنا الآن بصدد التعليل والشرح، ولم يرد اليهود على الأوروبيين، بل قاموا يعيدون إنتاج مأساتهم بحقنا ومعنا نحن الذين حميناهم واحتضناهم واحتفينا بهم! فقاموا يتفننون في قتلنا.
وكلكم رأى صوراً من السحل اليهودي للشباب الفلسطيني. فالدوس المتعمد في مستوطنات الخليل للأطفال الفلسطينيين، بل إنّ المستوطن المجرم ترك السيارة تتوقف على جسم أحد الفتية.
والشاب التميمي الذي قتلوه (شهيداً عند ربه بإذن ربه)، ثم قام الجند يسحبونه على وجهه لمئات الأمتار في منظر لو غير اليهود أتى به لقامت قيامة الدنيا، أما هم فمن يحاكمهم؟ وقد اشتروا زعماء العالم كلهم أو جلهم، بدءاً بديموقراطية أمريكا المزعومة التي لا ينجح فيها في الترشيح أصلاً وفي ما بعده إلاّ من ملك الملايين وهي في جيوب اليهود!
ومن صور القتل في بلد عربي أنّهم يتركون الشخص المراد قتله في الصحراء ويضعون بجواره معلبات وبعض الماء، والصحراء محيطة به من كل جانب لمئات الكيلومترات، فإن سار انهار ومات، وإن مكث واجه الموت، ومن صور الموت إلقاء الشخص من الطائرة حياً ليصل الأرض ميتاً أو يرتطم بها فيموت!
ومن صور القتل البطيء أنّ بعض المناوئين السياسيين يُتركون حفاة عراة في حظائر في قلب الصحراء ويلقى لهم التموين من الطائرات، وهم كالذي يزعمون أنّه الإنسان الأول قد طالت شعورهم وأظافرهم حتى غدوا إلى عالم الوحش أقرب، لقد أفقدوهم إنسانيتهم فما بقي إلاّ الصورة الخارجية وقد تشوّهت، حتى هذه تشوّهت. تنوّعت التفاصيل والسحل واحد! والصور فوق الحصر، يروي لنا عربي سجن في بلد عربي غير بلده قال: أنزلوني تحت الأرض فكأني قبرت قبل الموت، ومناظر المشبوحين والمنكسين والمعلقين والمعذبين وارتفاع الأنين كل ذلك يخلع القلب.
وحدّثني أهل العالم عبد العزيز البدري من سامراء في بيتهم بسامراء كيف عذِّب على يد الزبانية حتى الموت، وقد التقيناه في عمان سنة 66 في طريقه إلى الحج، ومكث أياماً وفي عودته من الحج اعتقل ثم قتل.
وكيف قتل مروان حديد الشهيد (بإذن ربه)، فقد أعادوه جثة بعد أن فقد ثلثي وزنه نتيجة التعذيب.
وعند السلطة العظيمة يعلّقون الشخص بالمقلوب، ثم يسقطونه على رأسه فيموت من فوره. وفي أريحا كانت السلطة تضع من عجزت "إسرائيل" في أخذ المعلومات منه، يضعون رأسه في كيس بلاستيك أسود أو يضعون الشخص كله في كيس محكم الغلق، فإما يعترف وإما يختنق!
والصور، صور السحل فوق الوصف والحصر. كل هذا يهون أمام ما تفوّقت به الأجهزة في سوريا على الشيطان، فالشيطان عمله كلام في كلام: "يعدهم ويمنّيهم.."، وأما هؤلاء فشبيحة وإجرام. والصور فوق الحصر، لكن من أسوأ الصور ما رواه جمهرة من أهل سوريا وتناقلته وسائل الإعلام، أنّهم وضعوا حنجرة غياث مطر في كيس بلاستيك وأرسلوها إلى أهله، وقالوا اصنعوا منها "شاورما".
وكذا صنعوا مع "القاشوش" رحمه الله، صاحب الرائعة: "ياللا ارحل يا بشار!" حتى لقد غدت أنشودة الوطن السوري كله والشعب برمته والمدن والأرياف والحواضر والبوادي والرائح والغادي. فلنترك هذا التشوه الإنساني وننتقل إلى اللغة نلطف الأجواء:
الجذر "سحل" في لسان العرب: قال أبو عمرو: المسحلة (بضم الميم) كبة الغزل وهي الوشيعة والمسمّطة. قال الجوهري: السحل: الأبيض من الكرسف من ثياب اليمن..
وفي الحديث: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ثلاثة أثواب سحولية كرسف (أيّ قطن)، ليس فيها قميص ولا عمامة، يروى بفتح السين وضمها، فالفتح منسوب إلى القصّار (الصباغ) لأنّه يسحلها أيّ يغسلها، أو إلى سحول قرية باليمن. أما الضم فهو جمع سحل وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلاّ من قطن.
وسحله يسحله سحلاً فانسحل: قشره ونحته. (لم يكن يخطر ببال العرب الذين وضعوا المفردات أنّه سيأتي زمان يسحل فيه العربي أخاه بأن يقشر جلده ولحمه بفعل الجر على الإسفلت، فأقصى ما فكّروا فيه سحل قشر أيّ لحاء الشجر مثلاً أما جلد البشر واللحم دون العظم فهذا فوق طاقة البشر على التحمل وفوق طاقة اللغة التي تأبى هذا التوحش والتسفل والانحطاط).
وسحله مئة سوط: ضربه فقشر جلده. وقال ابن الأعرابي: سحله بالسوط عداه بالباء (أهو عدوان والسلام. إما مباشر وإما بالباء أيّ بالواسطة.)
واسحالّت الدراهم: إذا املاسّت. (سحتت من كثرة الاستعمال وقلة الصر في الصرر والخزائن!) وسحلت الشيء: سحقته. وسحله: برده. وانسحال الناقة: إسراعها في سيرها.
قال الزبيدي في التاج: "السحل: ثوب لا يبرم غزله، أيّ لا يفتل طاقين كالسحيل، كأمير، وقد سحله يسحله سحلاً، يقال: سحلوه: لم يفتلوا سداه، وقيل: السحيل: الغزل الذي لم يبرم، فأما الثوب فإنّه لا يسمى سحيلاً، ولكن يقال له: السحل. وفي الصحاح: السحيل: الخيط غير مفتول، ومن الثياب: ما كان غزله طاقاً واحداً، والمبرم: المفتول الغزل طاقين، والحبل يفتل فتلاً واحداً. والمبرم: أن يجمع بين نسيجتين فيفتلا حبلاً واحداً.
والمِتآم: ما كان سداه ولُحمته طاقين طاقين، ليس بمبرم ولا مُسْحَل. والسحل والسحيل: الحبل الذي على قوة واحدة. والمبرم: الذي على طاقين. قال زهير:
يميناً لنعم السيدان وجدتما على كل حال من سحيل ومبرم
وقال المسيّب بن عَلَس يذكر ظُعناً:
ولقد أرى ظُعُناً أبيّنها تُحْدى كأن زُهاءها الأثْل
في الآل يخفضها ويرفعها ريع يلوح كأنه سحل
شبّه الطريق بثوب أبيض. وجمع سحل: أسحال وسحول وسُحُل بضمتين. قال المتنخل الهذلي:
كالسُّحُل البيض جَلا لونَها سحُّ نِجاء الحمَل الأسْوَلِ
وسَحَله سحلاً: قشره ونحته فانسحل. ومنه الحديث: فجعلتْ تسحَلُها له: أيّ تكشّط ما عليها من اللحم.
ومن المجاز: السُّحالة: خشارة القوم (يعني الفراطة الفارطة!) عن ابن الأعرابي. والسُّحالة: قشر البر والشعير ونحوه ( ولا أراه مجازاً، بل هو على حقيقة المعنى، فهو ما يتساقط من القمح عند تقشيره، مثله كمثل البرادة من الذهب لوناً ومعنى!)
ونتابع مع اللسان وقشر القمح والشعير (النخالة الخشنة والناعمة) ونحوه (أيّ باقي الحبوب التي تقشر) قال التاج: كالأرز والدخْن.
والمسحل: المنحت (بكسر الميم فيهما) قال الليث: السحل: نحْتك الخشبة بالمسحل (الفارة الآن بلغة النجارين!) وهو المبرد.
والمسحل (بالكسر برضه): اللسان ما كان. قال ابن أحمر (في ديوان ابن أحمر):
ومن خطيبٍ إذا ما انساح مسحله بمُفْرحِ القول ميسوراً ومعسوراً
قال الزبيدي: وقول الجوهري: المسحل: اللسان الخطيب (بغير واو) سهو، والصواب: والخطيب، (بحرف عطف).
ثم ذكر الزبيدي ما يعارض هذا القول فقال: ولكن صحح بعض أنّ اللسان قد يوصف بالخطابة أيضاً، فلا سهو، نقله شيخنا، وعندي فيه نظر.
ولنا مع الموضوع وقفة أخرى ونظر.

