ليس غريبًا أن تجد أناسًا كثيرين يمتلكون مهارة واحدة في فنٍّ واحد، تعلّموه منذ نعومة أظفارهم، ومارسوه وأبدعوا فيه حتى انحنت ظهورهم، وضعفت أنظارهم، وخارت قواهم. أمّا الغريب حقًّا، فهو أن تجد من وهبه الله موهبة المعرفة في أكثر من فن، بل وأتقنه إلى حدٍّ كبير، وأدرك أن الإنسان خُلق ليتعلّم ويُعلّم ما دام حيًّا. وكلا الصنفين لهم الأجر في الدنيا والآخرة ما داموا على الحق.
ويحدث أن يتعرّف الإنسان في حياته إلى أناسٍ كثيرين؛ بعضهم يمرّ مرور الكرام، فلا يترك أثرًا، ولا ينثر عطرًا، ولا يُذكر إن غاب، وكأنّه لم يكن يومًا في سجلّات الأحياء. وثمّة أناس يتركون آثارًا عظيمة، بل وربما يعيدون تشكيل شخصية من عرفهم، فتبحث عنهم، وتحرص على قراءة ما يكتبون، وسماع ما يقولون.
وإسقاطًا لما سبق على حياتي الشخصية، فقد تناهى إلى مسامعنا خبرٌ محزن، هو وفاة الدكتور عطالله أبو السبح، يوم الأحد 25 يناير 2026. فحزنت، وبدأت أستذكر ما كان له من فضلٍ عليّ.
لقد كان له دورٌ كبير ومهم في تشكيل شخصيتي، في مجالات القراءة والكتابة والحديث والمناظرة، وغيرها كثير. تعرّفت إليه منذ أكثر من عشرين عامًا، وجذبني إليه سَعة اطلاعه وتنوّع فنون العلم التي يتحدّث بها. قرأت له مقالاته في صحيفة فلسطين، في زاويته الخاصة، كما قرأت له في مجلة السعادة الشهرية، وفهمت كثيرًا من قضايا المجتمع من خلال برنامجه على فضائية الأقصى «محاولة للفهم». أعجبني أسلوبه، وطريقة تناوله للقضايا، وطبيعة الموضوعات التي يطرحها. أمّا حين كان يصعد المنابر، فكانت لخطبه رونقٌ خاص، قولًا وأسلوبًا.
قضيت وقتًا ثمينًا مع إنتاجاته الأدبية والسياسية؛ فقرأت «ديوان الغربة»، الذي عبّر فيه عن مكنونات نفسه بلغة شعرية جذّابة، ثم حلّقت معه في «خارج النص»، مقالاتٍ كتبها دفاعًا عن الحق في مواجهة الظلم. وأمسكت «السنبلة والسيف»، روايته التي تتناول سيرة مريم فرحات منذ طفولتها، مرورًا بتنشئة أبنائها على حب الجهاد، حتى صاروا أعلامًا في ميدان المقاومة. وسهرت ليلتين مع رواية «المشعوذ». وذات زيارة له برفقة أصدقاء، أهدانا قصة حياته المعنونة «طفولتي»، وطلب أن نفصّصها ونبدي رأينا فيها، فاطلعت عليها بعناية، وتعلّمت منها كثيرًا عن حياته. ثم سرت معه «إلى الملتقى»، وقرأت «رسائل إلى أساطيل السلطة»، وتعلّمت منه كيف يُقال الحق.
حينما كنت أزوره في بيته أو مقرّ عمله، كان يبدأ حديثه دائمًا بعبارته المحبّبة: «يلا نحكي». لم أكن أشعر بمرور الوقت؛ فكل دقيقة تحمل معلومة جديدة، ولا تتكرّر فكرة مرتين. وأذكر لقاءً في بيته جمعنا بالأستاذ حسني العطّار و الدكتور صالح الهمص والمهندس عبدالمنعم ابو طه والاستاذ زهير ابو الروس وأصدقاء آخرين، ولأنهما من الجيل نفسه، وعاشا الهموم ذاتها، وتشابهت ميولهما، جلسنا نستمع إليهما وهما يستعيدان ما دار في الوطن العربي، ولا سيما في مصر وفلسطين، منذ نحو نصف قرن، يتحدّثان عن أدباء مصر وكأنهما كانا يجالسانهم بالأمس.
ولا أنسى ما كان منه من ثناء كريم على مقالاتي وكتاباتي؛ إذ أرسلت له ذات يوم نسخة من كتابي «رحيق القلب والقلم»، وبعد أيام اتصل بي، وتحدّث عن مقدمة الكتاب، وقال بالحرف الواحد: «ما سبقك بها من أحد».
الحديث عنه اختزالٌ يُنقص من قدره إن حصرناه في مقال؛ فهو الأب والمربّي، والأديب والسياسي، والمصلح الاجتماعي، والخطيب المفوّه والوزير في أكثر من وزارة في أحلك الظروف، ورغم ذلك، كان مرحًا في جلساته، على عكس ما يظنّه كثيرون، وكريمًا وبسيطًا ومتواضعا .
رحمه الله رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته.


