الثلاثاء 27 يناير 2026 الساعة 01:57 م

مقالات وآراء

غزة بلا أسرى… وما بعد إزالة “الدبوس”

حجم الخط

بعد اثني عشر عامًا على أسر الجندي شاؤول آرون، تدخل غزة مرحلة جديدة خالية من أي أسرى للاحتلال داخلها.

يخرج بنيامين نتنياهو ليقدّم هذا التطور كإنجاز كبير، محاولًا تسويقه داخليًا على أنه نهاية ملف معقّد طالما شكّل ضغطًا على حكومات الاحتلال المتعاقبة.

غير أن هذا “الإنجاز” في حقيقته لا يغلق الأزمة، بل يفتح أبوابًا أوسع على مرحلة سياسية وأمنية أكثر حساسية.

خلوّ غزة من الأسرى يضع اتفاق وقف إطلاق النار، والانتقال إلى مرحلته الثانية، أمام اختبار فعلي. فالمرحلة القادمة لا تتعلق بتفاهمات شكلية، بل بملفات جوهرية: فتح المعابر، إدخال المساعدات، تسهيل عمل اللجنة التكنوقراطية في غزة، والبدء بالانسحاب من ما يُعرف بالمنطقة الصفراء، بما يسمح لاحقًا بدخول قوات الاستقرار الدولية.

هذه الخطوات، إن نُفذت، تعني إعادة ترتيب حقيقي للمشهد في القطاع، وهو ما يثير قلق الاحتلال ويدفعه لإعادة طرح “عقدة سلاح المقاومة” كأداة تعطيل، رغم الضغوط الأمريكية المتزايدة للذهاب نحو المرحلة الثانية.

على الصعيد الداخلي الإسرائيلي، تأتي هذه التطورات في لحظة سياسية شديدة التعقيد.

إسرائيل دخلت فعليًا أجواء انتخابات مبكرة، والهدوء النسبي في غزة لا يخدم نتنياهو، بل يضعه في مواجهة مباشرة مع السؤال الأخطر داخل المجتمع الإسرائيلي: كيف فشل في السابع من أكتوبر؟ هذا الملف سيبقى السلاح الأقوى بيد معارضيه، مهما حاول تغليفه بإنجازات تكتيكية أو احتفالات إعلامية.

إزالة “دبوس الأسرى” قد تمنح نتنياهو لحظة رمزية عابرة، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام نقاشات أعمق حول جدوى الحرب، وأثمانها، وفشل أهدافها المعلنة.

لذلك، يصبح استمرار الهدوء في غزة كابوسًا سياسيًا بالنسبة له، لأنه يعيد تركيز الضوء على إخفاقاته بدل أن يبددها.

من هنا يمكن فهم محاولات الهروب إلى الأمام، عبر التلويح بتوسيع دائرة الصراع إقليميًا، أو إعادة تسويق خيار المواجهة مع إيران.

فالتصعيد الخارجي، في الحسابات الإسرائيلية، ليس خيارًا أمنيًا فحسب، بل أداة سياسية للهروب من الاستحقاقات الداخلية، ومحاولة لإعادة إنتاج نتنياهو كـ“قائد في زمن الحرب”.

غير أن المشهد لا يزال معلقًا على الموقف الأمريكي: إما كبح الاندفاع الإسرائيلي ومنع تفجير المنطقة، أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع تُستخدم فيها غزة مجددًا كورقة ضغط سياسية.

الأيام والأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، ليس فقط لمستقبل الاتفاق، بل لشكل الاستقرار في الإقليم كله.

غزة اليوم بلا أسرى للاحتلال، لكنها في قلب معركة سياسية مفتوحة، عنوانها: هل يُستكمل مسار التهدئة وتُفرض معادلات جديدة، أم يُعاد تدوير الحرب للهروب من فشل لم يعد ممكنًا إخفاؤه؟