ضمن حلقات لغة وسياسة وتحت عنوان "حقل" تكلمنا في حلقة سابقة عن معنى "حقل" في اللغة، واستطردنا إلى "حقول التجارب". وكيف يُستهتر بشعوب، وحياة بشر، حتى يصبحوا لمن يزعم أنهم متحضرون ومتقدمون يصبح هؤلاء البشر "حقول تجارب" لأولئك المتقدمين وضربت أمثلة أخطرها ما جرب على مسلمي إحدى دول الاتحاد السوفياتي من تفجير ذري. ولم يُذكر الخبر لولا تسربه في فيلم وثائقي جاء متأخراً ربما لربع قرن.
وأقول اليوم:
ولعل ما هو أسوأ من أو لنقل لا يقل سوءاً عن "حقول التجارب"، "حقول الألغام"، التي ليس لها من اسمها "الحقلي" إلا أنها تزرع في الأرض، ولكنها ذات حصاد مر، فحصادها أطراف مبتورة (قرابة ربع الشعب الأفغاني)، أو أعين مطفأة، أو أرواح مزهقة.. بدءاً من منطقة "العلمين" في مصر حيث "تحصد" تلك "الحقول" سنوياً أرواحاً وأطرافاً أعداداً عديدة لأجيال مديدة (على رأي السديس!) وقد مضى عليها حتى الآن 70سنة على هذا الحال. وقد جعلت هذه الحقيقة "الجزيرة" الوثائقية تعد برنامجاً عن ذلك الموضوع بالغ الخطر. وفي لبنان زرع المجرمون بما قذفوا من قنابل عنقودية في حرب 2006 مئات آلاف الألغام التي حصدت من الرعيان والأطفال والماشية عدداً.
وقد بعثت الأمم المتحدة بعثات لنزع شيء من تلك الألغام، فما نزعت إلا أقل القليل وبقيت الحقول ممتلئة لا بالبقول وإنما باللامعقول واللامسؤول. وأما الذي زرعها فلا يتكلف شيئاً ولا يجرؤ أحد على أن يوجه له أي لوم أو عتاب. ولا يجرؤ على مساءلته أحد. وقد تجاوز الشعب العربي في ذكرى النكبة الأخير "حقول الألغام" ولم يبال. ويُقدر عدد الألغام المزروعة في "حقول الألغام" بعشرات الملايين 80مليون على الأقل، نزع كل واحد منها وتفجيره يكلف مبلغاً. ويحاول العالم أن يوقع على اتفاقية تحظر زراعة "حقول الألغام"، ولكنه لم يفلح حتى الآن. والسبب واضح ومعروف: الاستعصاء الأمريكي، والشركات الصانعة للألغام وهي من "الكارتلز" الضخمة، فرابع أو ثالث رأسمال عالمي صناعة الأسلحة ولهم زعماء قد تم شراؤهم على مستوى العالم كله. فلا تأمل خيراً، ما دام الحال على هذا المنوال. ألا تذكرون حين حاول "بيل زوج هيلاري" أن يمنع الأسلحة بقانون فهزمته الشركات وأخرجت له لسانها. وتعيش إنت!
وأسوأ من "حقول الألغام العسكرية" "حقول الألغام السياسية". فالحدود بين الدول "حقول ألغام" (حقيقة ومجازاً). والقوانين المرسّخة لهذه الحدود "حقول ألغام"، وتخطي ذلك يحتاج إلى جرأة وإقدام. والنزاع والخصام والفصام بين الدول "حقول ألغام". والديون على الدول "حقول ألغام".
ومن حقول الألغام في الميادين السياسية ما يطلقه المجرمون الصهاينة بين الفينة والفينة من فكرة "الوطن البديل"، ثم لا تتجه الأنظار إلى العدو الذي أطلق الشعار الشيطاني، بل تتجه النظرات والتقطيبات والتكشيرات والتشميرات إلى بعضنا.
• "حقل" في أساس البلاغة
قال الزمخشري العبقري في أساس البلاغة في معنى الجذر "حقل": "لا تنبت البقلةَ إلا الحقلةُ وهي القراح الطيب، وجمعها الحقْل، وبه سمي الزرع إذا تشعبت أغصانه حقلاً. وأحقل الزرع. وفي أرضه مَحَاقل أي مزارع. وفي الحديث: "ما تصنعون بمحاقلكم" أي مزارعكم. واحتقل الرجل: اتخذ لنفسه زرعاً، نحو ازدرع. (المهم احتفل وليس المهم احتقل. فالاحتفال بهجة والاحتقال كد وكدح واشتغال واحنا مش ناقصين). ونُهي عن المحاقلة وهي بيع الزرع في سنبله بالحب. وأصابت الدابةَ حقلةٌ وهي داء يأخذ من أكلِ التراب، وقد حقلت دابته. وحوقل الشيخ: اعتمد بيديه على خصره. ومرّ بي شيخ يحوقل ويحولق" أ.هـ.
تعليق: هذا المثل "لا تنبت البقلة.." تكاد تلتقي عنده أغلب القواميس. وهذه السجعات من مفضليات الزمخشري، وهي قد تصرف على وجه الحقيقة وقد تصرف على وجه المجاز. ويطلق الحقل على الزرع وعلى الأرض المزروعة كما قد قرأت، كما في القرآن الكريم مصطلح "الحرث": "ويهلك الحرث والنسل" فالحرث مقصود منه هنا الزرع. وإنما الحرث في أصل الوضع الأرض التي تحرث. ويطلق على ما تنبت الأرض التي حرثت.. من باب المجاز. فهو مستعار لهذا المعنى. أما قرأت في سورة الأنبياء في قصة داود وسليمان "إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم." وكذا الحقل. وقوله: أحقل الزرع. أي ظهر وعلا حتى غطى الحقل. والحوقلة وضعية معينة تعني الضعف. و "الحوقلة" نحت لغوي يعني قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهي كناية عن التبري من القوة.. وإظهار الضعف
• "حقل" في القاموس المحيط
قال الفيروزآبادي في قاموسه المحيط: "الحقْل: قَراح طيب يزرع فيه، كالحقلة (يعني المذكر والمؤنث وارد وسواء)، ومنه: لا ينبت البقلة إلا الحقلة، والحقل: الزرع قد تشعّب ورقه، وظهر وكثر، أو إذا استجمع خروج نباته، أو ما دام أخضر، وقد أحقل في الكل. والمحاقل: المزارع. (بفتح الميم فيهما) والمحاقلة (بضم الميم): بيع الزرع قبل بدوّ صلاحه، أو بيعه في سنبله بالحنطة أو المزارعة بالثلث أو الربع أو أكثر، أو اكتراء الأرض بالحنطة.
والحِقلة: ما يبقى في الحوض من الماء الصافي، ويثلث. (يعني بالكسر والفتح للحاء والضم.)، وبقية اللبن، وحشافة التمر (يعني البقية من كل ما ذكر) وما دون ملء القدح. والحقلة (بفتح الحاء): داء في الإبل، ووجع في بطن الفرس من أكل التراب. (اللي سف التراب الشعب مش الخيل والإبل يا عم يا فيروزآبادي) وقد حقلت فيهما (أصابها الداء الذي ذكر.) والحِقل (بالكسر): الهودج. والحقيلة والحقائل (جمعها). والحقيل: الأرض التي لا تبلغ أن تكون جَبَلاً، ونبْت.
والحوقلة: القارورة الطويلة العنق تكون مع السقاء (غير السقا الذي مات) وسرعة المشي، ومقاربة الخطو (فهو من الأضداد)، والإعياء والضعف والنوم والإدبار، واعتماد الشيخ بيديه على خصره. والحيقل: من لا خير فيه. و"حقْل" موضع (في الجزيرة). قال القاموس: وحقل وحقلة "بأجأ" قرب إيلة (العقبة بالبلدي)، وواد لسليم واسم ساحل تيماء، و"مخلاف الحقل": باليمن، وحقل الرخامى: موضع. وحقيل: موضع. والحقلة (بكسر): ناحية باليمامة. والحقالية (بضم): حصن باليمن.
وحِقال (ككتاب): موضع. وحَقَال (كسحاب): ابن أنمار (أي اسم). أ.هـ من القاموس.
وأما تعليقنا السريع فنقول: القَراح على وزن مَراح، وعلى معناه. يعني كما قال "الوسيط": "الأرض الفضاء الطيبة".. تعد للزراعة أو تزرع. وقد تكلمنا في "أثاروا الأرض" و"تثير الأرض" بما لا نحتاج معه أن نعيد. ولو كان الأمر إليّ لوزعت الأرض الفضاء ما بين عمان ومعان "خمسينات" على خريجي الزراعة، على أن تخضر الأرض خلال ثلاث سنين. فإن لم تخضّر تسترجع، فإن اخضرّت الأرض أقرّ ملك من اقتطعت له. فإذا نجحت التجربة عممنا على بقية الأرض.. من سحاب إلى الأزرق.. وهكذا دواليك ودوالي. ولماذا تظل الأرض بوراً وصحراء والشباب متعطلاً متكدساً في عمان؟ فلو ربّى الشاب في الأرض بعض الدواجن والطيور والماشية لأكل ملبناً وسمناً وعسلاً. أظن أني لست حالماً!
وقد أعطى القاموس للمحاقلة عدة معان، وهي مصطلح شرعي فقهي ورد في الحديث الشريف: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة"، ومن المعاني التي أعطاها: بيع الزرع قبل بدو صلاحه، وذلك لما في ذلك من الغرر. أو بيعه في سنبله بالحنطة. وإنما يفعل ذلك الفلاح الذي كان ينهك فلا يجد ما يأكل هو وأولاده فيتربص به المرابون المتربصون. فيأخذون منه بأبخس الأثمان ويستوفون بأعلى الأثمان كما قالت سورة المطففين: "الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون." والعلة في هذه الصورة من البيوع هي ذات العلة السابقة: الغرر. (ورخص رسول الله في السلم) أو "المزارعة بالثلث أو الربع أو أقل أو أكثر" كما قال القاموس، فلا أرى فيه بأساً، وإن كان المودودي رحمه الله يتشدد في موضوع المزارعة.
ولقد جاء على الناس وقت لا يجدون إلا مثل هذه العروض، فقد كانت كثير من الأراضي مملوكة للأديرة. أما كيف كان ذلك فقصة!
وكنت أرى في كل عام كيف كان جدي رحمه الله يحرث ويدرس (لبطرس) بالفعل والواقع! وما رأيته في الفلبين من أحوال المسلمين وكيف صادر المرابون اليهود حقولهم منهم وأسكنوهم البحر. وقد تعجبون: ناس تسكن البحر؟ نعم لأنه قد نزعت منهم أرضهم بأبخس الأثمان.. لما غابت أمة الإسلام والإيمان. وامتلأت بنوك العالم من أرصدة دول أمة الإسلام. وهؤلاء المساكين يقضون حياتهم كلها على ألواح خشب في البحر ولو لم أر ما استوعبت ولا صدقت!
أما الحوقل والحيقل الذي فقد القوة حتى صار يعتمد بيديه على خصريه ليستند ويتمكن من التوازن والوقوف، فلعله من باب أنه لحق بالتراب أو كاد يعود إلى التراب.. والحقل هو التراب. والله أعلم.
أما أسماء الأماكن التي ذكرت فأشهرها حقل (حقل)! أعني حقل النفط الموجود في منطقة حقل جنوب العقبة (مش عندنا) ولعل حقل الرُّخَامى باليمن أرض كان يستخرج منها الرخام الذي نستورده من الطليان وفي السودان أجود الأنواع وأجود الخيبات! وأما "المخلاف" الذي باليمن فليس الحقل. وإنما المخلاف الذي يشارف على التوقيع ثم يسحب التوقيع في اللحظة الأخيرة وكررها من جحر واحد أقصد من قصره "4" مرات، ويزداد: تتنيحاً" وتشبثاً بالكرسي، ويحاول جاهداً مستميتاً جر بلاده إلى حرب أهلية، حتى سماه الشيخ "صادق"، سماه: "مسيلمة الكذاب"، أو نسميه المخلاف المتلاف الذي أفرغ الخزينة على البلاطجة والمحاسيب والأزلام وأضرابهم..
يا عمنا اليمن مهوش حقل ولا مزرعة تملكها أنت وجماعة المستفيدين معك. دعوا الشعب اليمني الحر يتمتع بحريته مثل بقية شعوب العالم.. فهذا حق.. له. واليمن "حقله" في ممارسة الحق الذي له. وموضوع الحقول والعقول ما كنت أتوقع أن يطول.. فالحديث موصول.
