• مدخل
لست في هذه الحلقات أقصد التاريخ للتاريخ. وإنما جاءت هذه الحلقات في سلسلة كتبت عن دمشق والشام عموماً أو سوريا حماها الله، وإنما جاء الحديث من وحي ما تتعرض له هذه البلاد الغالية اليوم من محنة هي جزء من معاناة أمة تبحث عن ذاتها وحريتها وهويتها وتنشد عزتها وكرامتها فقامت قوى الجمود تحاول عرقلة مسيرتها وإن سمّت نفسها قوى التقدم أو ما شاء لها هواها أن تسمي. فقامت ثورة مضادة في مصر وفي تونس وفي سوريا واليمن وليبيا.. وفي كل بلد يسعى إلى التغيير.
في هذا السياق جاءت هذه الحلقات التي تصل إلى الثلاثين لا عن اليرموك بالطبع وإنما عن سوريا التاريخ والجغرافيا والبشر والسياسة والثقافة والمعيشة والآفاق والإعلام والنظام.. والمنطق (ياللي مو تمام) وإنما قصدنا الاستنهاض بربط الناس بجذورهم بعد محاولات الفصام النكد بين الناس وتاريخهم وتراثهم ومخزونهم الحضاري. وأردت بهذه الصفحات الرد على محاولات تشويه أنصع تاريخ لبشر في هذه المعمورة. ويجري هذا التشويه بأيدٍ محلية تعمل لقوى أجنبية خارجية، وبعض التشويه يجري بأيد مذهبية أحياناً أو طائفية، كما جرى تشويه دولة الأمويين بالرغم مما أنجزت. والله تعالى يقول: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى".
والتاريخ بعد هوية وانتماء وجذور وولاء ورافعة للحضارة وعبرة ترشّد وبصيرة، ومنهج في فهم الحياة وتجارب البشر، والتاريخ فوق كل ذلك مختبر ومصداق لسنن الله في الوجود يشهد لها ويرفدها بما يصدقها، ويدحض كل من يعاندها.
هذه بعض وظائف التاريخ أو دراسة التاريخ. في هذا الإطار يأتي الحديث عن اليرموك ضمن هذه الحلقات فاقتضى التنويه. فإلى صفحات التاريخ نقلبها وإلى صفحة من أنصع الصفحات: اليرموك.
• إسلام جرجة
وكنا توقفنا عند حلقة إسلام "جرجة"، إذ بعثه الروم مفاوضاً للمسلمين. فرأى صلاة المسلمين ودعاءهم فانشرح صدره، ولم يغادر معسكر المسلمين. وقال أبو عبيدة معللاً تلبثه: والله إني لأرجو أن يكون الله قد قذف في قلبه الإيمان وحببه إليه.
ثم أقبل جرجة على أبي عبيدة يسأله عن الدين ومتى دخلوا فيه، وقال: ما أظن صاحبكم (يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم) إلا الذي أخبرنا عيسى عليه السلام عنه.
ثم سأل عن عيسى في ديننا فقرأ له الأمين أبو عبيدة بعض الآيات والترجمان يترجم، فأسلم -ونختصر- وفرح المسلمون، ثم أعادوه إلى الروم، وقالوا له عد متى شئت حتى لا يظنوا أنّا حبسناك، فعاد وقاتل مع المسلمين. وهناك روايات أخرى في قصة إسلامه، لكن لا خلاف على إسلامه. وفي الرواية الثانية سأل خالداً إن كان الله أنزل عليه من السماء سيفاً فسمي سيف الله؟ فأجابه خالد بصدق المسلمين فأسلم.
• مفاوضات
ونعود إلى مفاوضات خالد وباهان، وكيف ذهب خالد إلى عسكر الروم وكان خالد رجلاً طويلاً جميلاً جليداً مهيباً، لا ينظر إليه رجل إلا ملأ صدره وعرف أنه من فرسان الرجال وشجعانهم وأشدائهم. وذهب خالد إلى باهان فصف له عشرة صفوف عن يمينه ومثلها عن شماله، مقنعين بالحديد عليهم الخوذات والدروع والسواعد والسيوف لا يرى فيهم إلا الحدق. وصفّ من وراء الصفوف خيلاً عظيمة لا يرى طرفاها. ودعاه باهان إلى جواره، والترجمان بينهما. والحارث الأزدي الذي هو راوي هذه الرواية كان مع خالد في هذه المفاوضات. وعرض باهان بأسلوب ذكي المصالحة. وكان بعد ذلك عرْضٌ لكل واحد منهما ما عنده وعند قومه من فكر وميزات. وعاد باهان ليعرض بعد التهديد والوعيد الترغيب والتحبيب ومتاع الدنيا، ورد خالد، وقد طالت العروض والردود فلا ننقل شيئاً ومن أراد التفصيل عاد إلى التواريخ.
انقضت المفاوضات وعاد خالد وواضح أنها وصلت إلى طريق مسدود، لكن خالداً ترك في نفس ماهان أبلغ الأثر. وعاد خالد وقال للقوم: استعدوا أيها الناس استعداد قوم يرون أنهم بعد ساعة مقاتلون. وقال رجل من الروم أسلم ونقل ما جرى، قال: جمع باهان أصحابه بعد انصراف خالد، وقال: "إني قد هيبتهم ولا أراهم يهابون، وأطمعتهم فليسوا يطمعون؛ فقاتلوا عن سلطانكم وبلادكم". وأشار بعضهم على باهان أن يقاتلهم كل يوم بمئة ألف ويستريح الآخرون، وأشار أغلبهم أن يخرجوا بأجمعهم خرجة واحدة. ثم بعث باهان إلى هرقل يخبره ما كان. ثم قال له: "أيها الملك انتظر وقعتنا هذه فإن أظهرنا الله عليهم حمدت الله، وإن ظهروا علينا فالحقْ بمعاقلك".
• زحف الروم
وخرج باهان إلى المسلمين في يوم ذي ضباب ورذاذ فصف عشرين صفاً وجعل على ميمنته "ابن قناطر وجرجير" في جند أرمينية، وجعل "الدّرنْجار" على الميسرة وكان من نساك الروم. وكان "جبلة بن الأيهم" (الملك الذي ارتد زمن عمر في قصته مع البدوي الذي داس رداءه) على مقدمة الروم في (12000) من قبائل لخم وجذام وقضاعة وغسان من الأعراب الموالين للروم، وأقبلوا إلى المسلمين.
فلما نظر إليهم المسلمون وكأنهم الجراد، نهضوا إلى راياتهم. وقال المسلمون لا نقاتلهم حتى يلتصقوا بنا.. فاقتربوا حتى إذا رأوا أن المطر لا ينقطع عادوا منصرفين. وبعث الدرنجار جاسوساً من العرب يستطلع الأحوال. فوصف المسلمين له وعبادتهم فأوقع الوهن في نفسه من حيث لا يدري. وجاءت العيون للمسلمين بالأخبار أيضاً. وقالوا للمسلمين: إن القوم مصبحوكم فبادروهم، فصلى بهم أبو عبيدة الفجر فقرأ سورة الفجر والشمس. (واضح الإشارات إلى عاد في الفجر وثمود في الشمس.. ومصير الطغيان)
وذكر الكتاب بعض رؤى المسلمين وبعض رؤى الروم، ولا أرى أن ندخل في حديث الرؤى، لا رداً ولكن اختصاراً.
• يوم المعركة
وتحت عنوان يوم المعركة الاثنين 5 رجب 15هـ 12/ 8/ 636م قال أحمد عادل إنه جمع روايات عدة من عدة كتب ليخرج بصورة المعركة كاملة. وإنه اعتمد رواية الأزدي، والطبري، وابن عساكر..الخ
وتصوّر المعركة وصفوف الروم على النحو التالي: (200) ألف أقل رواية أو ثاني أقل رواية، منهم (80) ألف خيّال، و(120) ألف مشاة مقسمين إلى عشرين صفاً فكل صف 6 آلاف في عمق 20 صفاً وهو ما يغطي في تقديرنا 9 كم طولاً. أما المسلمون فقد أصبحوا مستبشرين (الحالة المعنوية لها نصف عدة المعركة) وقد شرح الله صدورهم على لقاء عدوهم وخرجوا على تعبيتهم. وسار فيهم أبو عبيدة أمين الأمة. يقول: "الصبر منجاة، ومرضاة للرب، ومدحضة للعار، فلا تبرحوا مصافكم، ولا تبدؤوهم بقتال، وأشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت إلا من ذكر الله".
وخرج معاذ يهتف بالناس: يا قراء القرآن.. "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض" الخ.
ومر عمرو فقال.. ومر أبو سفيان فقال: "ليس لكم معقل إلا الصبر، الله الله إنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام" ونساء المسلمين معهن الحجارة لضرب من يتراجع. وزحف الروم وقد عبؤوا تعبئة دينية وصوروا الأمر أنه حرب ضد المسيحية. ورفعوا الصلبان ومعهم القساوسة.. وللجند دوي كدوي الرعد، وقد تبايع عظماؤهم على الموت (بعكس من يصورون أن الدولة كانت منهارة وهزيلة وجندها في خور وضعف).
• خطة جديدة في اللحظة الأخيرة
رأى خالد خطورة الموقف، وكان خالد يتميز بخصوبة الذهن وحضور البديهة والقدرة السريعة على التصرف السليم في الوقت المناسب. وقد غير الخطة في اللحظة الأخيرة.
فقال: قد رأيت أن أفرق خيلي، فأكون في إحدى الخيلين، وقيس بن هبيرة في الخيل الأخرى. وتقف خيلنا من وراء الميمنة والميسرة. فإذا حملوا على الناس فإن ثبت المسلمون فالله ثبتهم وثبت أقدامهم. وإن كانت الأخرى حملنا عليهم بخيولنا وهي جامة (مستريحة) على ميمنتهم وميسرتهم وقد انتهت شدة خيلهم وقوتها وتفرقت جماعتهم ونقضوا صفوفهم وصاروا نشراً. ثم نحمل عليهم وهم على تلك الحال، فأرجو عندها أن يظفرنا الله بهم ويجعل دائرة السوء عليهم، وقد رأيت لك أن توقف سعيد بن زيد موقفك هذا وتقف أنت (يخاطب أبا عبيدة) من ورائه في جماعة حسنة في مئتين أو ثلاثمئة فتكونوا ردءاً للمسلمين. وقال أبو عبيدة: "افعلْ ما أراك الله".
وضع خالد خطته أن يثبت المسلمون أمام هجمة الروم حتى تتضعضع هذه الهجمة وتتصدع صفوف الروم، وربما عجز المسلمون عن صد الروم، فتتدخل الخيل في الوقت المناسب: الخلل من أثر الهجوم. والذي يحلل أسلوب خالد في معاركه الحاسمة يجده دائماً ينتظر هذه اللحظة، لحظة حدوث الخلل في صفوف عدوه المتفوق.. فينتهز الفرصة لالتقاط الموقف. وهو هنا يصنع للروم بهذا التصرف البسيط، هذا الموقف الذي يريد به أن يتسلم موازين المعركة فيصرفها كيف يشاء. (بعبارة أخرى بسيطة أيضاً، خالد يريد أن يمتص صدمة أقوى قوة عند العدو بأضعف قوة عند المسلمين، فإذا حصل، فقد اختلت موازين القوى عن طريق أضعف نقطة. فإذا اهتزت النقطة الضعيفة وتراجعت لم تغْن كثيراً لأن مركز الثقل لم يعمل بعد. والقوة الضاربة لم تضرب ضربتها بعد. ومثل هذا الفكر الحربي العسكري يتطلب قيادة غزيرة الفكرة، عميقة النظرة، ويتطلب ثقة بين الجند والقيادة، ونوعية جند ممتازة.. وتأمل كيف تعتمد القيادة في المركز على القادة الميدانيين. وتأمل غزارة قواد المسلمين ووفرتهم وكثرتهم وكفاءتهم.
• جيوش وجيوش.
هذا في الوقت الذي تُدخر فيه جيوش الأمة اليوم لا ليوم كريهة وسداد ثغر بلقاء العدو ودحره ونصرة قضية الأمة ومسرى نبي الأمة. كل ذلك غير وارد، إنما الوارد قهر الشعوب، والقيادة المركزية تسيّر القطعات في داخل الأوطان وكأنها جبهات في الميدان.. لبئس ما تصنع أمة العربان.. أو قيادات العربان أن تنفق دم قلوب الأمة في إعداد جيوش تكون غمة على الأمة ونقمة على الأمة، بدل أن تكون كاشفة الغمة، ونعمة على الأمة.
وكم كانت كلمة قاسية سمعتها من سوري يقول في وسيلة إعلام: "إذا غاب رجال الأمن شعرنا بالأمن". "وإذا حضروا شعرنا بانعدام الأمن" أو شعار رفعه أهل حماة: "حماة كانت آمنة قبل دخول الجيش" وكأنه جيش احتلال! انقلاب الحال واختلال الحال هذا لا بد له من نهاية ووضع حد. وهذه واحدة من أسوأ صور الفساد في الأوطان وفي الأمة. والذي سمعته ينشد قلت عند سماعي لصوته المؤثر، قلت لمن حولي: هذا سيقطعونه. وما خيبوا الظن فقد انتزعوا حنجرته وقطعوا رأسه كما فعلوا من قبل بسليم اللوزي قطعوا يده ووضعوها في مؤخرته لمقال كتبه! هذا قبل ثلاثين سنة أو نحوها! واللوزي هو رئيس تحرير مجلة الحوادث أغلقت قبل شهر من الآن.
وكم كان الصديق عظيماً وعبقرياً، وهو يضع خطته الإستراتيجية، لإنقاذ الأمة من وحل التمزق والردة والانتكاس بتوجيه قواها إلى العدو الخارجي. فالتحم الصدع وتوحد الصف في مواجهة الخارج واليوم يتصدع الصف وتضيع اللُّحمة ويتهدد النسيج في الصراع الداخلي..
هذه المفارقات أما آن لها أن تتوقف؟ ولليرموك جولة أخرى..
