الثلاثاء 13 يناير 2026 الساعة 09:31 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

عيدنا عيدان.. باندحار الشيطان

حجم الخط

1- لم نكتب عن الحقيد منذ زمان..

ما زاغ البصر وما طغى في الحقيد قذاف الدم، فلم أره منذ سنة 69 إلا عميلاً أمريكياً، في الوقت الذي رأى فيه البعض مناضلاً وثائراً وقائداً يعربياً نهضوياً، بل إن بعض "الكبار" شبهه بالفاروق وحاشا لمقام الفاروق أن يقارن به هذا المعتوه الخائن السفيه الأخرق الأحمق العميل الذي رعا كل فتنة ضربت العرب والمسلمين، فهو داعم جون قرنق "الذهبي" وداعم ثورة "دارفور" ومسلّح جهتي الانفصال هاتين. ولمصلحة من؟ لست تدري. وتذكرون الحملة على الخرطوم، هو الذي كان وراءها. وكيف حكمت عليه بهذا الحكم أنه عميل وما بدلت؟ لأنه انسحبت أمامه قوات أمريكا وبريطانيا من قاعدتي "ويلس" و"طبرق" التي كانت تضم من القوات ما يكفي لاحتلال العالم العربي. فكيف تنسحب أمام قوات ملازم ثان؟ ثم راقبت سلوكه العروبي الوحدوي فوجدته نقيض ما يقول بالمطلق. يدعو للوحدة ويمارس التفتيت والتقسيم والتمزيق في العالم العربي. وصدّق مقولة عبد الناصر: "إني أرى فيه شبابي، وهو خليفتي من بعدي"! فكان بئس الخلف، وبئس التابع! ولم نكتب عنه منذ شهور لانشغالنا بثورة سوريا والشعب فيها. لكن قد كتبت عنه عشرات المقالات.. وربما لم تشهد الأرض منذ عشرات السنين، وربما لن تشهد لمثلها طاغوتاً مثله، ومتألهاً مثله، ومجرماً معقداً مهووساً مثله. لقد شوه صورتنا في الدنيا كلها. فكيف يحكم جزءاً من خير أمة أخرجت للناس، شر الناس؟ كيف يتحكم في مقاليد قطر وشعب هو من أفضل الشعوب العربية مثل هذا؟

 

وتذكرون في مؤتمرات القمة كيف كان يحيلها إلى كوميديا سوداء، ومهاترة، واستهبال، والرؤساء من أضرابه يضحكون، وليسوا بأحسن حالاً منه!

 

ربما لم يتطاول على الإسلام ورب الوجود ورسول الإسلام مثل هذا الزنيم.. أو الزعيم!

 

أتذكرون مؤتمره العتيد في بنغازي عن "الدولة الفاطمية"؟ ووالله ما حلم أحد في الكون أن تلقى هذه الدولة المارقة من المديح مثل الذي لقيت من القذافي.

 

ولا أدري هل أصوله قرمطية أم يهودية أم فاطمية عبيدية كما يقال، أم للشبه بينه وبين المجنون المسمى: الحاكم بأمر الله. الذي حرم الملوخية!

 

هذه الدولة التي حاربت صلاح الدين وتحالفت مع الصليبيين، لماذا تمتدح هذا المديح؟ ربما للسبب المذكور يمتدحها. وهل كان القذافي في يوماً إلا مثل شاور؟! أو الحاكم إياه.. هل وفّى وعداً للعرب؟ بينما دعم كل عدو للعرب. أتذكرون تبني تمديد مياه الديسي. وقلت والله ما يصلنا منه قرش وقد كان!

 

2- "وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا"

لقد بنى القذافي مدينة عسكرية تعزّز من ورائها وتمترس فيها وتخندق، وسماها "باب العزيزية" وأحاطها بثلاث جدر كلها مضاد لكل القذائف المعهودة! تماماً كإخوانه اليهود "أو من وراء جدر" وجعل تحتها الأنفاق المحصنة والدهاليز وشحنها بالمؤن وملأها بالجند والأتباع والمرتزقة، وأترعها بالقوة والذخيرة والمدافع والصواريخ والراجمات والدبابات.. وأنفق فيها وعليها وعلى تحصينها المليارات. ولانعدام الشفافية، فإن أحداً لا يعلم وإن أحداً لا يسأل ولا يحاسب، ولا يوقف الهدر. لو كان هذا ابن شعبه كان صنع هذا؟ هذا الذي شبه زوراً بالفاروق.. ومعاذ الحق أن يشبه بنعله أو شسع نعله! "قيطان القندرة" كما يقول العراقيون! هل هذا الجرذ يقارن بالفاروق؟ فإن الفاروق العظيم كان ينام في ظل شجرة بلا حراس، فلما رآه رسول فارس إلى المسلمين قال قولته التي ذهبت مثلاً: "عدلت فأمنت فنمت يا عمر". أين هذا الرباني من أئمة الهدى من هذا الدعي المشكوك في أصوله، وهو من أئمة الضلال الداعين إلى النار؟! الفاروق الذي أعاد لبيت المال كل رواتبه (عشرة دراهم لكل شهر لمدة عشر سنين ولا علاوات ولا إضافي ولا مياومات لزوم السفريات ولا مصاريف استثنائية ولا خاصة!) أين هذا ممن سرق ما يزيد على مئتي مليار سوى ما أهدره في شراء الصحفيين والكتبة والمرتزقة وما دفعه في فضيحة "لوكربي" من المليارات، والطائرة الفرنسية، سوى العشرين ملياراً التي أهدرها في مشروعه الذري وسلمه بالكامل لـ"إسرائيل" عبر أمريكا! سوى ما دفعه لتأجيج الفتن في العالم العربي، وما دفعه للجيش الأحمر والأصفر والأزرق والأخضر من تنظيمات الشيطان!

 

3- وانتصر الشعب.. بأسرع من المتوقع.

صدق وعد الله: "إن الباطل كان زهوقاً" كيف تغلب شباب بلا تدريب ولا خبرة ولا تجربة قتالية ولا "دعم لوجستي" ولا تمويل، على قوات كان يديرها أحد كبار عملاء الموساد.. الذي فر في الأيام الأخيرة، وهو من الكتائب من جماعة انطوان لحد وسمير جعجع!

 

هذا القذافي الثائر أبو الثورة ملك ملوك إفريقيا، يدير قواته عميل موساد، وقناصته من أوكرانيا، ومختلف بلدان إفريقيا، وأوربا من كل الألوان والقوميات، ويسمي الثوار: عملاء حلف الأطلسي فمن أنت وما تكون؟ ألست عميل الموساد؟ أليست البواخر التي حملت لك شحنات الذخيرة والأسلحة التي انطلقت في أول أيام الثورة أليست كلها من دولة "إسرائيل" أتاك بها وسيط هو دحلان وجاك نمرودي ويعقوب نمرودي اليهوديان الليبيان الصديقان الحميمان للحقيد قذاف الدم!؟ أليس ابنك سيف الشيطان قد زار "إسرائيل" وطاف على مسؤوليها يستجدي الدعم ولقيه؟

 

كيف تنطلي ألاعيبك على بعض العملاء والجهلاء من أمثال قناة الرأي للجبوري وبعض الإذاعات المحسوبة على المقاومة، ولولا الثأر الشخصي لحزب الله بمقتل "الصدر" على يدي القذافي لكان له موقف آخر! أما حاضنة حزب الله: سوريا، فقد دعمت القذافي بكل ما أوتيت، من ذخيرة إلى أسلحة إلى طيارين! وعاشت راية النضال مرفوعة! وأمة عربية واحدة ذات رسالة في دعم المعاتيه والخونة.. رسالة خالدة!

 

ودولة عربية "مؤثرة" دعمت القذافي بست مئة مليون دولار، لئلا تصلها رياح التغيير، وستصلها: "فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون".

 

4- وخاب كل جبّار عنيد.

هذا واحد من قوانين الله في كون الله: أن كل جبار متأله لا بد أن يذله الله ويقصم ظهره. والخزي ما زال بانتظار القذافي. وهذا أيضاً من قوانين الله: "لهم في الدنيا خزي".

 

ويا ليت مثل هذا العناد كان في مواجهة الأعداء لا في الإصرار على تدمير بلده وقتل شعبه! يزعم هذا الدعي العنيد أنه سيقاوم حتى النصر أو الشهادة. والأمران حرام عليك. ولا والله لا ينصرك الله على شيء، ولا ينصرك في شيء، حتى في المشاريع التي ينجح فيها كل الخلق، كان الفشل في كل مسعاك.. يلقاك في نهاية الطريق. أتذكر أيها الحقيد العنيد، والفقيد، عما قريب، أتذكر مشروع النهر العظيم الذي تكلف عشرات المليارات، وما كان إلا ضرباً من ضروب جنونك! لقد صوحت الواحات، وما شربت طرابلس! إنه من قانون الله أيها المجنون العنيد: "إن الهو لا يصلح عمل المفسدين". وأما الشهادة فكما يقول العوام: "حلم إبليس بالجنة" وهل وجهك وجه شهيد؟ حاشا لمقام الشهداء وجودك معهم! ولكنك لا تؤمن بالله، بل جعلت نفسك لله نداً فقصمك وسيتم إذلالك حين يلتقطونك كجرذ من الجرذان في أحد جحورك ثم يؤتى بك تجرجر بين يدي جرجرتك في النار إن شاء الله الجبار، فما من جبار إلا هو وكل من نازعه الجبروت والكبرياء والألوهية قصمه ولا يبالي!

 

5- جرائم القذافي.. ومحاكمته.

جرائم القذافي تفوق الحصر. منها المنظور ومنها غير المنظور. فأول جرائمه تألهه واستعلاؤه وكبرياؤه وانتفاخه وشوفينيته وأمراضه النفسية وعقده، وتطاوله على القرآن والسنة وتطاوله على شخص الرسول صلى الله عليه وسلم بما لم يفعل كافر ولا عدو ظاهر وقد كتبنا في هذا تكراراً..

 

ومن أبشع جرائمه جعله ليبيا في القرن قبل الماضي على الأقل وحرمان شعبها من السلطات والثروة والعيش المستقر والسكن والعلاج وغير ذلك، مع أن ليبيا بلد نفطي يكدس ثرواته في بنوك أمريكا وأوربا ويحرم الشعب من عائدات ثروات بلاده. وكل جرو من جرائه له عشرات الملايين في البنوك. ومن جرائمه ما شتت وشرد من الليبيين في أصقاع المعمورة. ومن أكثر الشعوب مغادرة لبلاده الشعب الليبي، وربما نافسوا الشعب السوري! ومن أسوأ وأفحش جرائمه تركز كل الصلاحيات في يده وحرمان الشعب من حياة سياسية وممارسة تطور الفهم والعقل السياسي والأداء السياسي، وتجعل الناس تعيش حياة طبيعية. وكما قال قائل: إنك تحتاج إلى بناء جيل كامل تم تشويه شخصيته. بل أقول إنك تحتاج إلى إعادة إعمار بلد جعله خارج العصر.

 

ولعل آخر جرائمه ما قتل في الثورة السلمية حتى اضطرها إلى التحول إلى الثورة المسلحة ليجرها إلى المذبحة وقصف الطائرات والصواريخ، ما اضطر إلى اللجوء إلى القوى الدولية ومجيء حلف الأطلسي والذي جعل منه القذافي غطاء لجرائمه، وخيانته، ومكنه من لباس لبوس الزعيم الوطني الذي يحارب الاستعمار. وما أتى بالاستعمار إلا هو. وما جر الناس إلى عسكرة الثورة إلا هو. وما جلب المرتزقة إلا هو. وماذا نعدد؟

 

إزاء كل ذلك لا بد من محاكمته، وما أسوأ ما يقول بعض المتكلمين: العرب شعب بلا ذاكرة، ينسون زعماءهم، ويقدمونهم للمحاكمة! وهل هؤلاء زعماء؟! هؤلاء الداء! هؤلاء العملاء الأجراء! ولا نامت أعين الأجراء والجراء!

 

وأعتقد أن بلده أقدر على محاكمته من المحاكم الدولية. فليحاكم في بلده. أما "اذهبوا فأنتم الطلقاء" فلا يصح أن تقال لأمثال هذا الطاغية المدمر المجرم أو لمبارك أو شين العابثين! بل هؤلاء ممن يقال فيهم ولهم: "وأما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً".