الأحد 11 يناير 2026 الساعة 04:39 م

مقالات وآراء

مقالات أخرى للكاتب

غزة.. حين يتحول الشتاء إلى أداة إبادة

حجم الخط

في غزة، تسقط المفاهيم كما تسقط المباني. هنا، لم يعد الشتاء "موسم الخير"، ولم يعد المطر "سُقيا رحمة". في هذه البقعة الجغرافية المنكوبة، تحول الشتاء إلى سلاح فتاك، والمطر إلى سوط يجلد ظهور الغزيين.

بداية علينا أن نُسمي الأشياء بمسمياتها: ما يحدث في غزة اليوم ليس كارثة طبيعية؛ فالطبيعة بريئة من هذا الألم. إنها إبادة جماعية مستمرة، فقد أعيدت هندسة فصول السنة فيها لتكون أداة قتل إضافية، حيث يُحكم الحصار قبضته ليمنع الدفء، ويُترك الإنسان وحيداً في مواجهة فيزياء الانهيار والغرق وقسوة الصقيع.

العراء القاتل.. خيام لا تستر وموت يتسلل

في غزة تحت سماء رمادية، يرتجف أكثر من 1.9 مليون نازح؛ هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في تقارير الأخبار، بل هم قصص وحيوات نُزعت من جذورها. فالمشهد في مخيمات النزوح يفوق قدرة اللغة على الوصف؛ طوفان من الطين ومياه الأمطار مخلوطة بالمياه العادمة يجتاح خياماً هي أوهن من بيت العنكبوت.

أما لغة الأرقام فإنها تتحدث ببرود لا يشبه حرارة الوجع، فوفق ما صرح به المكتب الإعلامي الحكومي في غزة:
• أكثر من 127,000 خيمة خرجت عن الخدمة فعلياً؛ لأنها مهترئة وممزقة وعاجزة عن صد الريح أو المطر. أي أنها لم تعد صالحة لتوفير الحد الأدنى من الحماية الإنسانية لما يزيد عن 1.5 مليون نازح.
• سجلت غزة رسمياً وفاة طفلين تجمدت قلوبهم الصغيرة من البرد داخل الخيام.
• شهدت غزة استشهاد 20 مواطناً تحت أنقاض مبانٍ لم تحتمل ثقل المطر.

إنها على ما يبدو "حرب الشتاء" التي يشنها الاحتلال عبر منع ممنهج لدخول مستلزمات الإيواء ومواد البناء والوقود، ليحول الشتاء إلى جلاد صامت يحصد الأرواح التي نجت من الصواريخ.

الموت الصامت.. الخرسانة كقنبلة موقوتة

إذا كانت مأساة الخيام الظاهرة للعيان تدمي القلوب، فإن هناك كارثة أخرى صامتة وأكثر تعقيداً تدور رحاها في هياكل البيوت التي لا تزال واقفة -ظاهرياً- على أقدامها؛ ففي ظل دمار طال أكثر من 70% من الوحدات السكنية، تحولت آلاف المباني المصنفة كـ "أضرار جزئية بليغة" إلى قنابل موقوتة. هندسياً، هذه المباني فقدت ما بين 30-50% من قدرتها الإنشائية. ومع هطول الأمطار، تتحول هندسة الانشاءات من قوانين للبناء إلى قوانين للانهيار.

تشريح الكارثة: كيف يقتل المطر مبنى؟

إن المعادلة القاتلة في غزة اليوم هي: (مبنى متصدع + تربة مخلخلة + حصار يمنع الترميم + مياه أمطار) = انهيار حتمي. ويتم ذلك عبر آليات هندسية مرعبة:

1. ميكانيكا الانهيار السفلي: القصف المستمر لم يضرب المباني فحسب، بل خلخل "تربة التأسيس" تحتها؛ فعندما يهطل المطر، يحدث ما يسمى بـ "التشبع"، حيث تفقد التربة تماسكها ويقل "الإجهاد الفعال" بين حبيباتها. والنتيجة؟ تصبح الأرض تحت القواعد "رخوة"، فيهبط عمود بينما يثبت آخر (هبوط تفاوتي)، مما يولد "عزوم انحناء" هائلة لا تستطيع الأعمدة المتصدعة أصلاً تحملها، فينهار المبنى فجأة.

2. تدهور الهيكل الخرساني: المطر يتسلل عبر "الشقوق الشعرية والعميقة" التي أحدثها القصف ليصل إلى حديد التسليح. فعلمياً، عندما يصدأ الحديد يزداد حجمه بمقدار 6 أضعاف داخل الخرسانة، مولداً ضغطاً داخلياً يفتت العمود من الداخل ويسقط غطاءه، لتصبح الأعمدة هياكل عظمية هشة عاجزة عن حمل الأسقف.

3. الأحمال الهيدروليكية الإضافية: الأسطح المتضررة التي تعاني من الانحناء تتحول إلى أحواض سباحة، فعلى مساحة 20 متراً مربعاً، قد يتجمع طن أو طنان من المياه. هذا "الحمل الحي" المفاجئ كفيل بكسر ظهر أي سقف فقد تسليحه السفلي، ليهبط ركاماً فوق رؤوس من يحتمون تحته.

السيناريو المرعب.. والعجز القهري

تخيل ليلة ماطرة في غزة: تبدأ التربة بالتشبع، فيهبط أحد الأعمدة المتضررة بضعة سنتيمترات، ويحاول المبنى توزيع الحمل على الأعمدة المجاورة، لكنها هي الأخرى متشققة… في ثوانٍ معدودة، يحدث الانهيار المتسلسل؛ هذا ما حدث بالفعل وتسبب في انهيار 49 مبنى وارتقاء المزيد من الشهداء والجرحى.

المعضلة الأخلاقية والإدارية:

هنا يقف المسؤولون والجهات الإنسانية في غزة أمام خيارين أحلاهما علقم. لا يمكنهم إجلاء السكان من هذه "البيوت الآيلة للسقوط" لسبب بسيط ومرعب: لا يوجد مكان يذهبون إليه؛ لأن:
• الخيام تغرقها أو تجرفها الأمطار أو تقتلعها الرياح.
• الأراضي ضاقت بالبشر ولا مكان لنصب خيام جديدة.
• مخيمات النزوح ممتلئة وتغص بالأوبئة.

يبقى المواطن الغزي محاصراً بين سقف خرساني يهدده بالسقوط، وبين خيمة قماشية لا تحميه من التجمد.

ختاماً: صرخة لإنقاذ ما تبقى

إن هذه الأرواح التي تزهق بفعل البرد وانهيار المباني ليست "أضراراً جانبية"، بل هي نتيجة مباشرة لقرار سياسي بمنع دخول "الكرفانات"، ومواد البناء الأساسية (الأسمنت والحديد) اللازمة لعمليات التدعيم الطارئ.

الحل الهندسي والإنساني الوحيد لوقف هذا النزيف واضح:
تدخل دولي عاجل لكسر الفيتو الإسرائيلي على إدخال  البيوت الجاهزة (الكرفانات).
إدخال فوري لمواد البناء لتمكين الفرق الفنية من تدعيم المباني "التي يمكن إنقاذها" قبل أن تبتلعها الأرض في المنخفض الجوي القادم.

غزة لا تغرق في الماء، بل تغرق في الصمت الدولي، وتُسحق بين مطرقة القصف وسندان الشتاء والحصار.  أوقفوا هذه المقتلة الباردة!