السبت 03 يناير 2026 الساعة 10:06 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

فتح دمشق.. وأمان أهلها

حجم الخط

أردت من هذه الكلمات عن هذه الصفحات الناصعات المشرقات من التاريخ الإسلامي العظيم، أردت أن أعزز معرفة عظمة هذا الدين وهذا التاريخ لأمة هذا الدين، وعدالة المسلمين، ومن أجل أن تشكل هذه الصفحات رافعة فكرية وثقافية ومعنوية، فقد جرى التآمر علينا لتهديم معنوياتنا وضرب ثقتنا بنفسنا، وتعرض تاريخنا الإسلامي الإنساني السامي العظيم الشريف لطمس وتشويه وتجهيل وتحريف. وأردت كذلك توجيه صفعة من خلال هذه الصفحة التاريخية، للواقع الذي نعيش، وهو يعيش خارج التاريخ والجغرافيا والإنسانية والقيم ويتردى في عالم التوحش والغاب وغياب التسامح وغياب ثقافة احترام الشعب. وأمتنا أمة الوفاء بالعقود، والالتزام بالعهود، وحضارة هذا القرن (أو حقارة الغرب) أول البنود عندها نقض المواثيق والعهود.

 

وكثير من الذين يديرون الأمور في عالم العرب المقهور يعكسون ثقافة الغرب وقيمه أكثر بكثير مما يتمثلون قيم دينهم. ففي سياق الحديث عن دمشق التاريخ والحضارة والجغرافيا والأنثروبولوجي والسياسة واللغة، كانت هذه الكلمات.

 

والمفارقة الضخمة أن يفتح المسلمون دمشق حرباً ويعطون أهلها الأمان على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وكنائسهم وأن لا يجد أهل البلد اليوم الأمن في بلدهم ولا حرب ثم ولا أعداء! فتأمل انقلاب الصورة وتبدل الأحوال.

 

والسلسلة مستمرة بإذن الله، لا تسير على وتيرة، أو نمط رتيب وإنما فيها تلاوين حتى لا تمل القاريءَ الرتابةُ والروتين. والآن إلى صفحات التاريخ نقلّبها معاً.. وأختصر لكم كثيراً حتى أقدم هذه الوجبة السريعة عن دمشق البديعة وتاريخها ومتى دخلت حمى هذا الدين.

 

كانت دمشق تتربع الغوطة أسفل جبل قاسيون. وكانت محصنة بأسوار سميكة عالية تحيط بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم في حيز طوله 1.6كم وعرضه نحو "1" كم وكان يحيط بالسور خندق مملوء بالماء. وفي السور عشرة أبواب، كما في خريطة وضعها د.صلاح الدين المنجد أرجعها إلى القرن السادس وقد ظهر بها الأبواب العشرة، ولكن المذكور في فتح دمشق ستة منها أشهرها باب توما وباب الجابية والباب الصغير. والسور بناه الرومان ما بين سنة 105، 295م. وكان ارتفاعه عشرين قدماً (حوالي 6 متر) وسمكه خمسة عشر قدماً، وكان على السور (سور دمشق) أبراج بارزة مربعة الشكل يبعد كل منها عن الذي يليه 50 قدماً. وكان يوجد في السور بعض الأبنية الصغيرة وبيوت للسكنى لأفراد الحامية. وكانت الأبواب مصفحة بالحديد، والسور مبنياً بالحجارة الضخمة. وكان يوم "فحل" يوم 28 من ذي القعدة 13هـ وفق 23/ 1/ 635م. وكان فتح دمشق يوم الأحد 15 رجب 14هـ. وفق 3/ 9/ 635م. فبينهما سبعة أشهر وعشراً. وقد استمر حصار دمشق أربعة أشهر (كما يرجح أحمد عادل كمال) والرواة يجمعون على أن فتح دمشق تم عام 14هـ.

 

عاد أبو عبيدة بجيوش المسلمين من الأردن إلى دمشق فحاصرها من جهاتها (4) أشهر وكان هدف المعتصمين الدفاع عن الأسوار وانتظار الإمداد وكسر اندفاع المهاجمين.

 

ويعمد الأخيرون إلى التضييق على المدينة ومداومة مهاجمتها وشن الغارات على ما هو كائن خارج الأسوار. فاستولى المسلمون على غوطة دمشق وما حوت عنوة. وحين جاء خالد بجيشه من العراق نزل أمام الباب الشرقي. ثم سار حتى اجتمع بجيوش المسلمين في بصرى. وبعد أن فرغ من فتحها عاد إلى دمشق فنزل أمام الباب نفسه، ثم سار منها إلى فحل، والآن يعود مرة أخرى إلى المكان نفسه. كان أمام الباب الشرقي دير على مسافة ميل يعرف بدير صليبا. وكان نزول خالد في كل مرة تجاهه بينه وبين أسوار المدينة حتى عرف بدير خالد.

 

كذلك كان أبو عبيدة ينزل على باب الجابية غربي المدينة. ونزل يزيد على الباب الصغير إلى باب كيسان جنوبي المدينة (نسبة إلى كيسان مولى معاوية بن أبي سفيان) أما شمالي السور فقد نزل عمرو على باب توما، وشرحبيل على باب الفراديس، وكان الباب الشرقي وباب الجابية هما أكبر هذه الأبواب جميعاً (كما يقول ابن عساكر وينقله أحمد عادل كمال).

 

قال الواقدي وغيره: بينما المسلمون على أبواب مدينة دمشق إذ أقبلت خيل للعدو كثيفة فخرجت إليهم جماعة من المسلمين فلقوهم بين بيت لهيا والثنية فولوا منهزمين نحو حمص، وتبعهم فرسان المسلمين حتى بلغوا حمص فوجدوا الروم قد عدلوا عنها (هربوا) لم يتوقفوا بها واستمروا في فرارهم. ورآهم أهل حمص ففزعت قلوبهم لهروب هرقل عنهم، ولما كان يبلغهم عن المسلمين من قوة الشكيمة وظفرهم فهتف الحمصيون يطلبون الأمان فأمنهم المسلمون، وقدم لهم أهل حمص الطعام، والعلف لخيلهم وتقدمت عدة قوى من المسلمين نحو حمص ليقطعوا الطريق على أي قوة للروم أن تحاول مرة أخرى الوصول إلى دمشق.

 

وطال الحصار على أهل دمشق وازداد التوتر بينهم، فبعث بطريق الروم رجلين يندسان (من المندسين، من هنا أخذ المصطلح وكثر استخدامه وكثر المندسون!) بين المسلمين ليتجسسا على جنودهم وأمرائهم ويريا أحوالهم، فعادوا يصفون أحوالهم من عبادة وأمانة، فقال: ما لنا بهؤلاء طاقة، فبدأ يفكر في الصلح.

 

وتحت عنوان: البندقة في المكسرة (كسارة البندق معروفة) قال كمال: "ولي أبو عبيدة حصار دمشق، وولى خالداً قيادة الفرسان، وطال الحصار على أهل دمشق وبطريقهم نسطاس ينتظر المدد من هرقل. ولكنه يرى أن المسلمين يزدادون قوة، وأنهم لا يفارقونه حتى يظفروا به فبدأ يبعث إلى أبي عبيدة في طلب الصلح، وكان أبو عبيدة أحب إليهم من خالد (بالطبع لسطوة خالد وشدته!) أما شعب الشام المسالمون (سلمية سلمية حتى تظاهرهم ومن مدنهم سلمية سلم الله الشام وأهلها وحماها وحفظها وتولاها وأخذ كل من أرادها بسوء) أما شعب الشام المسالمون فقد توددوا لخالد وتودد إليهم. وكان الأسقف المقابل لخالد ولا يعرف أعربي هو أم رومي صديق خالد (كما يقول المؤرخون وينقل كمال) وكان الأسقف يقف على سور دمشق ويدعو خالداً، فإذا أتى سلم عليه وحادثه، ونشأ بينهما نوع من المودة. فقال الأسقف يوماً: يا أبا سليمان. إن أمركم مقبل ولي عليك عدة فصالحني عن هذه المدينة، فكتب له خالد: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها. أعطاهم أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم ولا يسكن شيء من دورهم. لهم بذلك عهد الله وذمة رسوله والخلفاء والمؤمنين".

 

هذا الاتصال الروحي بأبي عبيدة والشعبي بخالد كانت نتيجته رسالة بعث بها أهل دمشق إلى هراكليوس (هرقل) (يشاء الله أن يكون اسم الحاكم الرومي أشهر أسماء أبطال روما هركوليز أو هرقل، وهذا لم يجده أمام جند الله، فآلت الأمور إلى أمة الإسلام فأصبحت دمشق الشام حاضرة الإسلام ونسأل الله أن تعود كما كانت!).

 

يقول أهل دمشق في رسالتهم ما محصله إن الحصار طال وإنهم جربوا القتال فلم يجد، فإن كان عندك مدد فأرسله وإلا فإنّا أعذرنا.

فأجاب هرقل برسالة فيها قدر من الدعاية والحرب النفسية، فقال ما حاصله التشكيك في وفاء المسلمين ونواياهم وأنهم سينقضون (يظنوننا مثلهم) ويجبروكم على ترك دينكم وسيقتلونكم.. (ليس المسلمون من الشبيحة يا مغفل!) ووعد هرقل بتسيير الجيوش. (مواعيد هرقول أو عرقوب أو مواعيد العرب لإخوانهم في فلسطين بالنجدة من 48 إلى الآن!) وظل أهل دمشق ينتظرون. وفي ليلة ولد لبطريق الروم نسطاس مولود فاحتفل وأولم وأكل الجند وشربوا وناموا عن حراستهم، و "عيون" خالد تأتيه بالأخبار وعيونه لا تنام ولا ينيم، وجاء بعض أصحاب الأسقف صديق خالد وعاونوه مقابل التخفيف عنهم، تقدم خالد والقعقاع بن عمرو (هذا في حساب عمر رجل بألف وهو أحد القادة المقربين من خالد رضي الله عنهم أجمعين وألحقنا بهم آمين!)

وقال خالد للجند وقد تسلق هو ومجموعة من الأبطال سلالم من حبال شدت إلى السور قال: إن سمعتم تكبيرنا فاقتحموا.

 

وكانت المنطقة التي اقتحم منها خالد أحصن منطقة في السور. وبلغ خبر اقتحام السور الشرقي (والباب الشرقي) إلى حاميات سائر الأبواب واتخذ الروم قرارهم بالصلح فوراً مع المسلمين. وفوجيء القادة المسلمون بحامية دمشق تفتح أبوابها ويقبلون شروطهم في حين كان جيش خالد يدخل غازياً، وتدفق جنود المسلمين من كل باب إلى داخل دمشق حتى التقوا جميعاً وسط المدينة.

 

كان الأسقف يسير مع خالد ناشراً كتابه، وأجاز أبو عبيدة صلحه، وهناك عدة روايات أن خالداً وأبا عبيدة التقيا عند سوق الزيّاتين أو سوق النحاسين ويرجح الدكتور المنجد أن اللقاء كان عند (المقسلاط) بعد رأس البزورية قرب مئذنة الشحم (أماكن يعرفها أهل دمشق!) ثم تنقل الكتب بنود صلح دمشق وأنه تضمن الأمان على الدماء والأمان على الأموال والأمان على الكنائس. (هذه أمة متحضرة وليس كالوحوش الذين يقتلون ويغتصبون وينهبون، وبعد خراب جسر الشغور قيل: عاد الاستقرار إلى جسر الشغور فعودوا يا أهلها والتلفزيون الرسمي يعرض صور الدمار وينسبها إلى المندسين والإرهابيين. فكيف يعود أهل المدينة إليها وهي حطام وخرائب، ولو كان على يد الشيطان؟!)

 

وشمل الأمان شعب دمشق كلها وليس من طلبوا ذلك فحسب. (هذه أمة الأمن والأمان والأمانة والإيمان!) وقد سجل العرب هذه المناسبة شعراً، ولم أر الشعر يرقى إلى فصاحة العرب وقتذاك، فلعله مما نحل وأدخل إلى حمى الشعر من بعد. (لست طه حسين أبو النحل!)

 

أسكن أبو عبيدة الجند البيوت التي أخلاها الروم ولحقوا بهرقل وانتظر مرور الشتاء ليواصل الفتوح إلى حمص. فتحت دمشق إذاً في 15 رجب 14هـ. وفق 3 سبتمبر أيلول سنة 635، وهذا أول موسم الشتاء. فأجل فتح حمص إلى الربيع.. ربيع الثورات العربية..