لولا أن للملابس قيمة في إظهار شخصية الإنسان لما فرضها الله علينا أولا سترا لفاحشة العري و إعلاء لمضمون الإنسانية الذي يركز على الروح و العقل أكثر من جماليات الجسد الظاهرة، و من هنا فرض الله اللباس الساتر على الرجال و الحجاب على النساء حتى تتقدم مواصفات الإنسان و تتراجع الغرائز فلا تُقضى إلا في محيط يكفل حفظها و العناية بها
و لقد حرص الإسلام على هيئة الملابس و دعى أن تكون وسطا لا إسرافا يؤدي الى الكِبر و لا تقتيرا يؤدي الى النفور، و جاء في الحديث "قال : « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ، ولا يدخل النار من بقي في قلبه مثقال ذرة من إيمان » ، فقال رجل : يا رسول الله ، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ، ونعله حسنا ، فقال رسول الله : « إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر من بطر الحق ، وغمط الناس » " و دعى الرسول صلى الله عليه و سلم المسلمين أن يهذبوا مظهرهم و يعتنوا بالنظافة و الرائحة الطيبة، و بمقابل ذلك شدد الإسلام في النهي عن لباس الفخر و الخيلاء لأثره السلبي على شعور النفس بالاستعلاء فجاء في الحديث " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، و ضرب المثل في حديث آخر فقال " بينما رجل يمشي في حُله إزارٍ ورداء تعجبه نفسه، مرجل رأسه، يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" كما حرم على الرجال لبس الحرير و الذهب حتى لا يذهب التنعم و الرفاهية بصفات الرجولة
بل إن تاريخنا يضرب لنا مثلا كيف كادت الملابس تطيح بالخليفة الفاروق عمر بن الخطاب في قصة الأثواب التي جاءته فوزع لكل المسلمين قطعة واحدة و أخذ مثلهم، و لكن ثوبه لم يكفه إذ كان له بسطة في الجسم فأعطاه ابنه عبد الله ثوبه ليكمل قصر ثوبه و يصله مع قطعته، فلما خرج عمرإلى الرعية خاطبا أن اسمعوا و أطيعوا، نهض إليه أحد المسلمين فقال لا سمع و لا طاعة و بين السبب بأن أثواب المسلمين لم تكفهم بينما استأثر عمر بثوب طويل دونهم، فنادى عمر على ابنه عبد الله فوضح لهم قصة ثوب أبيه فعادت الثقة و الطاعة بين الخليفة و الرعية إلى سابق عهدها،و قصة الثوب هذه دلالة على العلاقة بين الحاكم و المحكومين و المحاسبة التي تبقي الحاكم ورعا متيقظا يفطن لحساب الله أولا ثم لحساب الناس
لباس عمر المتواضع ذاته كان من أسباب تسليم مفاتيح بيت المقدس في بعض الروايات التي تقول أن بطرك القدس صفرونيوس رفض أن يسلم مفاتيحها إلا بعد أن تأكد من وصف عمر كما ورد في كتابهم "هامة عالية و ثوب مرقع" و السيرة تحفل بأمثلة كان اللباس فيها أكثر من رمز و ستر بل مصدرا للقوة و العزة بالله يزينه تواضع الإنسان أمام ربه و ذلته من الرحمة للمؤمنين، و ها هو الشاب الأنيق الوسيم العبق الرائحة المرتب الهندام مصعب بن عمير يترك ملابس الشهرة و طيش الشباب ليلبس ملابس أول سفير في الإسلام و ما خلعها حتى تكفن بها شهيدا يوم أحد، تمد على رجليه فيظهر رأسه و تمد على رأسه فتظهر رجلاه، باع الأولى ليشتري الآخرة، و ضحى برغد الثياب طمعا في أن يكسيه الله يوم القيامة برحمته و بقبوله لأعماله قميصا أخبر عنه الرسول فقال "رأيتني يوم القيامة و الناس تعرض علي و عليهم قمص فمنهم من يبلغ القميص ثدييه و منهم ما دون ذلك و رأيت عمر يأتي و هو يجر قميصة، و القميص هو الدين"
و ما زالت الثياب في الطبقات العليا رموزا حتى في عصرنا هذا الا أنها غدت مظهرا خارجيا للترف و المباهاة و السخف أحيانا كثيرة فها هو القذافي يبتدع خطا فريدا من الموضة و لكن هذا الخط لم يكسبه إحترام الناس و لم تتحول أعينهم إليه إلا سخرية أو ازدراء، و لم تغن عنه الميداليات و النياشين شيئا في إثبات رجولته التي طارت مع أول طائرة استخدمها لقصف و قتل شعبه!
و صدق الشاعر:
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عريانا وإن كان كاسيا
أما حسني مبارك و بزاته التي تحمل اسمه فلم تحل دون إجماع الشعب على طرده من منصبه شر طردة أمام أعين العالم و محاسبته و أهله كالمجرمين
و كذلك ما نسمعه عن رغد المعيشة و التطور في السويد لم يحمِ ملكها كارل غوستاف من الإصابة بعقدة النرجسية و حب الظهور و طلب الاهتمامattention seekerالمتمثلة بالقبعات الغريبة التي يرتديها إلى المناسبات الرسمية و هي تناسب مقام الأطفال و لهوهم لا مقام الملوك و جِدهم!
و يبدو أن مرض حب الظهور و استعراض العضلات مرض معدٍ ينتشر غربا و شرقا فها هو أحد السياسيين في بلدنا يظهر علينا تحت قبة أكبر المؤسسات التشريعية و هو يرتدي لباسا شريفا، لا يرتديه إلا شرفاء و أبطال الجيش ،و ذلك بعد محنة مر بها بلدنا و هو يقصد من لباسه التهديد لأبناء الوطن و إثارة الفتنة بهيئة تجعله لا يختلف عمن حملوا السكاكين و العصي في الشوارع!
و الإدانة لما فعله بالإساءة إلى رمزية لباس الجيش و درع الوطن و حامي أبنائه لا تكفي بل يجب على محامي الأردن الشرفاء مقاضته حتى تبقى الرموز محمية و يبقى جيش الأردن عالي الهامة فوق الشبهات والاستهداف من الجاهلين.
