الأحد 04 يناير 2026 الساعة 01:10 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

تهافت التهافت

حجم الخط

1- درس يتكرر.. ولا أحد يتعلم

الأنظمة لا تتعلم، وعن غيها لا ترعوي، وكلما طاح في النطاح أحد أو راح، راح البقية يؤكدون بأغلظ الأيمان أنه لن يصيب البقية ما أصاب الأولين. "شنّو نحنى غير" (بالعربي: لأنا مختلفون عنهم!) وقد نُصح "الصالح" أن تأتي منه المغادرة بمبادرة. ويخرج ببياض الوجه لا بوجه محروق.. ورئتين ممزقتين! "فأبى أكثر الناس إلا كفوراً" فأبى إلا المعاندة، والعنف وسبيل القتل وسيل الدماء. ومرت ذات النصيحة على سمع القذافي فما زادته "إلا نفوراً. استكباراً في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، فهل ينظرون إلا سنة الأولين، فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً. أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، وكانوا أشد منهم قوة، وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً" فاطر 42-44.

 

وتعتمد الأنظمة ذاتها الذرائع ذاتها وحل العنف ومزيد من الإفراط في استخدام القوة، معتمدة أن "السماوات يمكن أن تغطي بالأبَوات" ويمكن أن تطفئ شمس الحقيقة الساطعة، وتطفئ لهيب الغضب الساطع المعتق المعمق في نفس الشعب الذي ذاق من الظلم الأمرين واكتوى من "العهدين".. وهو ما يدري "رايح لوين". فانتفض هذه الانتفاضة، وهبّ هذه الهبّة ونهض هذه النهضة.. وقدم هذا الأفق الغزير من الدماء غير مبال.. معتقداً بحق أن الحرية أغلى.

 

والنظام سادر في ضلال منطقه القديم.. المتهافت على العهد به والذي لا يقنع نفسه فكيف يقنع غيره؟!

 

ورحم الله الإمام الغزالي فهو الذي رد على الفلاسفة بكتابه "تهافت الفلاسفة" فردوا عليه بكتابهم "تهافت التهافت" ولعله هو من أول من استخدم هذه الكلمة بهذا الاصطلاح ثم درجت في كل حجة متهافتة. ونحن استعرنا مصطلحه للرد على التفلسف المتمنطق المتهافت.. لحجة داحضة زاهقة زائفة.. وهي كما قال القرآن عن أمثالها: "يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً".

 

قال الماغوط الإعلامي السوري الساخر في كتابه "سأخون وطني" يقارن بين حال وحال: الإنسان في الغرب آلة. يا حرام يعمل بكل طاقاته وإمكاناته ليعيش. وإذا كان الإنسان هناك آلة فبالله عليكم ما هو وضعه عندنا؟ إنه يعمل بكل طاقته ولا يعيش.

 

ثم ختم المقال بقوله: "أنا مستعد أن أكون "مكواية"، لو كانت هناك ضمانة لأن أقف في شارع عام أو حديقة عامة، بل في حاكورة نائية وأقول رأيي كما أشاء بخطاب وزير، أو تصريح سفير". ص384

 

وفي مقالة بعنوان: "الحرية الرمادية" قال الماغوط في ختامها: "هل هناك طبيب أنف أو عيون أو حنجرة يفسر لنا سرّ بعض المآقي التي تظل مغمضة أياماً وليالي عن الرشوة والفساد والجشع في هذه الدائرة أو تلك، وما إن تشم أو ترى كلمة نقد حرة حتى تفتح فجأة وتصير باستدارة زر المعطف دهشة واستنكاراً.

 

ثم هل هناك من يدلني على جذور الخوف من الحرية، وفي أية غابة، وفي أي حرش؟ من يرويها ويسمدها لأذهب إليها وأرعاها كالماعز الجبلي". ص387.

 

2- المعلم: محامي الشيطان، ورجل كل المواسم.

معلوم أن المعلم أعقب الشرع (أي جاء عقب فاروق الشرع)، بعد أن "رقي" فاروق الشرع "الدرعي، أو الدرعاوي، أو الحوراني" (مثله مثل أكرم الحوراني، ومثل محمود الزعبي الذي انتحر أو انتحروه كما قيل وقتها) ولن نسأل "الوليد المعلم أو المعلم وليد" عن مصير فاروق الشرع، فربما يعلم وربما لا يعلم. ومن يضمن أن يكون مصيره هو مصير الشرع.. (ومصير كل من حادَ عن "الشرع"!) وحادّ الشعب بعد أن حادّ "صاحب الشرع" سبحانه!

 

هذا المعلم ارتضى وظيفة "المبيض". وأنتم لا تذكرون مبيض أواني النحاس الذي كان يطوف على القرى، لكل قرية يوم، يؤمها ليبيض طناجرها المشحبرة والأواني النحاسية "المجنزرة".. و"المعلم المبيض" مهمته تبييض وجه النظام وغسيل يديه من آثار الدماء، وارتضى أن يكون ما يسميه العامة: "ممسحة الزفر"، وارتضى أن يكون المعفّي على الآثار ليخفي كل دلائل الجريمة، ويطمس كل شاهد يمكن أن يستدل به ويمسح البصمات. ارتضى أن يكون محامي الشيطان. ويجند كل ما لديه من حجة ومنطق في تسفيه الشعب وتنزيه النظام.. وتمجيده.

 

وبعد. فيا معلم. الأسوأ من كل منطقك السيئ المتهافت، ضحكتك عندما سألك صحفي عن الأزمة التي تمر بها سوريا، "ففقعت" ضحكتك ولعلعتْ، ودوتْ، وفرقعتْ، وهي قطعاً من غل صدرت، ومن مكابرة لا تبشر بخير، بل لا يعقبها إلا الكسر، لأن المتكبر المصر لا ينتهي إلا بهذه النهاية، ضحكتَ ضحكة مجلجلة يا معلم وقلت باستخفاف بكل الدماء والشهداء وآلاف الجرحى وقرابة العشرين ألف لاجئ، قلت: "أي أزمة؟!" هاهاها..

 

أتظن أيها المعلم أن دفن النعامة رأسها في الرمل منقذها من طلقة الصياد؟ التجاهل أسوأ من الجهل بمراحل يا عم غافل. وهذا التصنع والمكابرة لا تزيد الشعب لك ومنك -ولمن تدافع عنهم باستماتة- إلا بعداً وبغضاً.

 

3- الأسد: لن نتعلم الدروس من المنطقة. بل نحن من سنعلم الدروس للمنطقة

 

وصدقت يا معلم المعلم! فطالما عندك الوزير المعلم فأنتم من يعلم المنطقة الدروس خصوصي وعمومي، فليس في العالم العربي وزير معلم إلا عندكم. ولكنا لسنا ندري ما هو الشيء الذي ستعلمونه للمنطقة؟ المعلم يقول إن عنده طبخة ديمقراطية جاهزة بمواصفات المطبخ السياسي السوري. وليت المطبخ السياسي السوري كالمطبخ البيتوتي التمويني الشامي.. الأصيل المعروف، وهو سيد الطبخ في المنطقة، لكن طبخة المعلم طبخة بحص! "إي والله يا خيوه، بحص الله وكيلك!"

 

هل ستعلّمون المنطقة أن الحقيقة هي ما يروجها الإعلام الرسمي؟ كلهم يفعل الشيء ذاته، لا جديد عندكم في هذا تعلمونه.

 

هل ستعلمون المنطقة الحل الأمني لكل مشكلة باعتباره الوصفة السحرية الصالحة لكل البيئات والمجتمعات والمحليات والدوليات وحلال كل العقد والمشكلات والأزمات والعابر للقارات؟

 

كلهم لا يتقنون إلا الحل الأمني، فهل ستبيعون الماء في هَجَر والتمر في خيبر؟

 

أتعلمونهم دروساً في تزوير الإرادات والانتخابات؟ كلهم في هذا معلمون متقنون مفتنون مفتونون مجيدون مبدعون. فوفروا جهدكم وتعليم المعلم المتعلم ما بيلزم.

 

فماذا ستعلمون المنطقة؟ هل ستعلمونها أن أمنكم وأمن "إسرائيل" واحد؟ قلتموها وقالها غيركم. هل ستقولون: نحن أو القاعدة والطوفان؟ قلتموها وقالها غيركم فلا مجال لتسويقها بعد، بعد أن أتخم السوق ببضاعة فاسدة كاسدة من هذا النوع الرديء.

 

وماذا بعد؟ هل ستعلمون المنطقة الحرية والكرامة والإنسانية، وقمع الفساد والمفسدين؟ لم تعد هذه الكلمات يطاق سماعها من فم أحد في المنطقة برمتها، لأن بقاء جميعكم مرهون ببقاء الفساد، فلا تراهنوا على غباء من بالمنطقة أو تصديقهم لكم في هذه. إني أبحث في كل كتب الفوازير والتسالي عما يمكن أن تقدموه أو تتقدموا به للمنطقة أو تعلموه فلم أجد.

 

فهل تساعدونا في حل الفزورة: ما الذي يمكن أن يعلمه النظام في سوريا لباقي الأنظمة في الغابة العربية أقصد في العالم العربي؟

 

4- الأسد: "أيها المهاجرون أو اللاجئون أو المهجرون أو المبعدون أو.. عودوا إلى وطنكم سوريا، وبيوتكم، فكل شيء مهيأ لعودتكم والظروف مواتية".

 

والسؤال: لم هجر هؤلاء أصلاً وطنهم؟ والقرآن عجّب من حال الذين يخرجون من ديارهم، باعتباره أمراً مستهجناً مستغرباً حين قال: "ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت" والدار والوطن أعز من الروح، فلم يخرج الإنسان من داره وذكرياته ووطنه وجواره وقبور آبائه وذكرياتهم وملاعب صباه؟ إلا أن يكون شيء قاهر جداً قد اضطره وألجأه وأرغمه. ثم لماذا وقد وجهت إليه الدعوة بالعودة لا يعود؟ لو كان يصدق أن حراس الوطن "والوطن" يرحب به لعاد. ولو كان يصدق أن النظام غيّر وبدل لما تردد. ولكنه ببساطة لا يصدق. إنه يعلم أنها حملة علاقات عامة لتبييض الصورة وخداع الرأي العام المحلي والعالمي. ولكن هذا لا ينطلي لا على الداخل ولا على الخارج. وكما قيل: أيها الفارون من الغابة، الأسد بانتظاركم فعودوا.

 

ورحم الله أحمد شوقي، فلو كان حياً لنظم في الدعوة للعودة وعدم الاستجابة أروع قصيد.. مثلما فعل في شوقياته في قصة الثعلب الواعظ وغيره. وقديماً قال العرب في أمثالهم: "لو ترك القطا ليلاً لنام" ولو ترك الشعب يعيش حياته لعاش.. ولو ترك آمناً في داره ما غادرها. ولو صدق النظام لعاد. ولا أدري أنعود لمنطق النظام أو لا نعود؟! زهقنا! وهرمنا ونحن نسمع نفس الكلام. والسلام!