أردت في هذه الحلقة من اللغة والسياسة أن أكتب عن السياسة والدجل، أو الدجل السياسي، أو الدجل والسياسة (ثيلما ولويز) (جيكل ومسترهايد) باعتبار أنهما في عالمنا العربي: وجهان لعملة واحدة. فكأن السياسة ليست فن الممكن، وإنما هي إتقان فن الكذب. ولا زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكون سياسياً مخضرماً. وكما قال "غوبلز" بتصرف: اكذب ثم اكذب تكن سياسياً محترفاً محترماً. "غوبلز" هذا كان إذا قيل أمامه "ثقافة" قال: "تحسست مسدسي" وهو الذي جعل الكذب في الإعلام منهجاً ومدرسة. فإعلامه "مدرسة الكذابين" على وزان "مدرسة المشاغبين" المقتبس من عمل غربي "محترم" فصار بالتعريب غير محترم، ولا له هدف ولا رسالة إلا التخريب والهدم.
لنعد إلى السياسة التي كان ينفر منها محمد عبده ومدرسته حتى لقد قال: "لعن الله الفعل ساس ويسوس وسياسة" علماً بأنه لا غنى عن السياسة. فهي رعاية مصالح الناس، لكن لا على الطريقة العربية.. فأولاً هي وصفة أبدية لا تزول ولا تنخلع ولا يُنخلع منها ولا وسيلة للتغير أو التغيير. ثم هي تحقيق مصلحة حفنة وتضييع مصلحة أمة. وهي على طريقة قول إخواننا المصريين: "أحيني النهار ده وموتني بكرة".
فليس من نظر إلى المستقبل أو تخطيط لتخضيره وتنضيره وتحضيره (من الحضر) كما في القصة الرمزية: زعموا أن مدينة كان يحكمها ملك يعين لمدة خمس سنوات ثم ينفى إلى الصحراء حيث يقضي أيامه فيها قبل موته.. كما في الحديث عن الإمارة: نعمت المرضعة وبئست الفاطمة. فجاء الدور على ملك عاقل. فمنذ اليوم الأول عمل على استصلاح الصحراء وتخضيرها فما انتهت مدته حتى نقلوه إلى الصحراء (سابقاً). وإذ بها جنة وارفة خضراء فقضى بقية أيامه في سرور وهناء، فقد ذهب الشقاء بالتخطيط والنماء وزراعة الصحراء.. فجددوا له الملك والبيعة فترة أخرى لبعد نظره وحسن تدبيره وحكمته في سياسة بلده وشعبه. هذا ملخص القصة التي ليس لها في الواقع نصيب. فهي من نسج الخيال العربي هروباً من الواقع العربي.
لكن انظر في نهايات مبارك والزين.. كم كانت سيئة ومأساوية وغير سعيدة. هذا في الدنيا، فكم يكون شقاء أضرابهم في الآخرة؟! ألا يتمنى مثل مبارك أنه قتل يوم المنصّة؟ وأن الرصاصة التي أصابت أنور كانت أصابته هو وتدهور وتغور ولا واجه هذا المصير الأعسر.. فما كان يتصور أن يكون نهايته "طرة"، وفي الآخرة سقر. (لا نتألى على الله. لكن البدايات تشير إلى النهايات: "مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً" وكم من دعاء مظلوم "مقصوف" شق ظلام الليل وصعد إلى رب البرايا يجأر من غزة: "أني مغلوب فانتصر"؟ اللهم عليك بمن عادانا وآذانا وحاصرنا وتعامل مع عدونا علينا؟ أوتظن الله "غافلاً عما يعمل الظالمون"؟)
نعود إلى الدجل والسياسة. صحيح أن مكيافيلي في كتابه "الأمير" نظّر للدجل وقعّد له وقننه. لكن الممارسة العربية خلفت وراءها مكيافيلي. وأظهرته طفلاً غراً في روضة.. مع عتاولة التقلب والدجل والتلون الحربائي أو الحرباوي.
وتأمل السياسة العربية كيف أن كل دولهم أو أنظمتهم بالأحرى تتعرض لمؤامرة من الخارج، وهذه المؤامرة هي السبب في القصف، واحتلال الدبابات لشوارع البلدات، وقصف العزل بالمدفعية والراجمات. ولولا وجود المندسين ما حصل ما حصل. ولولا "الجرذان" ما دكت مدن ليبيا بالجراد والسكود.. وقديماً اكتشف فرعون مؤامرة على مصر تريد تفريغها من أهلها وإحلال الغرباء محل الأصلاء، واكتشف ببعد نظره مؤامرة موسى مع السحرة، وسجل القرآن كل ذلك ليكون درساً للمؤمنين في مواجهة الفراعين. فالتاريخ كما قلنا مراراً يعيد نفسه، ونعيد درسه. ولا يصنع التاريخ من لم يقرأ التاريخ! ومنذ فجر التاريخ والخبرات تترى وتتراكم.. ونهر التاريخ يجري بلا توقف وهو يهدر ويجرف في طريقه الزبد فيذهب به جفاء.. ويصب في بحيرة التجارب الإنسانية، ويشكل أهم مصادر المعرفة بعد الوحي.
والآن إلى وقفة مع اللغة والمعجمات والقواميس والجذر "دجل": قال في السان في معاني الجذر "دجل": "الدّجَيْل، والدّجَالة: القَطِران. والدجْل: شدة طلي الجرب بالقطران. وَدَجَل البعيرَ" طلاه به، وقيل: عم جسمه بالهِناء، وإذا هُنِيء جسد البعير أجمع فذلك التدجيل، فإذا جعلته في المشاعر فذلك الدس. والبعير المدجّل: المهنوء بالقطِران، وأنشد ابن بري لذي الرمة:
وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى
بمستلئم مثل البعير المدجّل
قال: والدّجْلة التي يعسّل فيها النحل الوحشي. وَدَجَل الشيء غطاه. ودجلة: اسم نهر، من ذلك (أي من هذا الوادي أو من هذا الباب). لأنها غطت الأرض بمائها حين فاضت (أي سميت دجلة لأنها..) (ودجلة مؤنث لفظاً، وإن كان النهر مذكراً بطبيعة الحال).
وحكى اللحياني في دِجلة دَجلة، بالفتح. وقال غيره: دِجلة اسم معرفة لنهر العراق. وفي الصحاح: دجلة نهر بغداد، قال ثعلب: تقول: عبرتُ دجلة، بغير ألف ولام. ودجيل: نهر صغير متشعب من دجلة" ونقف لاستراحة ثم نواصل مع اللسان.
الوقفة الأولى مع الكلمة الأولى للسان في معاني دجل وهي "القطران" وفعلاً لقد جعل الدجل حياة العرب قار وقطران وزفت مغلي ونيلة وهباب.. والدجْل (بالجزمة) (أعني بالسكون) شدة طلي الجرب بالقطران. فالدجل الطلي الشديد. وإنما يطلى الأجرب، وفي عالم من تعرب يطلى بالقطران العربي السليم ويترك الأجرب.. بطنه وظهره وجلده وقلبه..
وقال اللسان: دجل الشيء غطاه. والدجل السياسي عندنا في العالم العربي هو فن تغطية الحقائق "أو تغطية السموات بالأبوات".
ودجلة: فرج الله عن دجلة وشعب دجلة وأزاح الدجاجلة باسم الدين من سياسيين امتهنوا الدجل في أرض دجلة وجاءوا مع المحتل وربطوا مصيرهم بالمحتل، وثبتوا أنفسهم تحت حراب أو نعال المحتل.
وفي صحاح اللغة: دجلة نهر بغداد. إيه يا بغداد. يا قلعة الرشيد. يا غابة الأسود. سوّد الله وجه الأوغاد الذين شوهوا تاريخ بغداد وجغرافية بغداد وفتحوها للأوغاد مستعمري البلاد من "بلاك ووتر" ورامسفيلد وشيني وكل حاقد على العرب والمسلمين والبلاد والعباد..
وقال في المعجم الوسيط: "دَجَل دجْلاً: كذب وموه وادعى. فهو داجل. (على وزن داجن وطاجن وفاشن وفاشل وفاشر.. وما لا يتناهى من كل فاجر وداشر).
داجل ودجال. والجمع دجاجلة. (على وزن جلاوزة وزبانية وقرامطة وهراطقة وزنادقة).
ودجل الشيءَ غطاه. ودَجَل البعير: طلاه بالدّجالة. وَدَجَل السيف: موهه بماء الذهب. (مع أن السيف أصدق أنباء من الدجل. والسيف والدجل نقيضان. وإذا كان السيف في خدمة الدجل فهي الطامة الكبرى. ثم ما حاجة السيف إلى التمويه بالذهب والتدجيل؟ فالسيف بتار.. والذهب بطال وفتان "وبطار" أي يقود إلى البطر. ويوم تحولت السيوف إلى زينة فقدت قيمتها المعنوية وصارت لها قيمة مادية فقط وصارت للرقصات الشعبية، في التجمعات الموسمية، في الجنادرية وغير الجنادرية).
نعود إلى المعجم الوسيط، الحديث زمناً، والنفيس قيمة، والمختصر عرضاً وطولاً، يقول مواصلاً معاني "الدجل": "ودجل الحق: لبسه بالباطل." (ومامن قوم مهروا في هذه الصناعة كما أتقنها بنو عمنا يهود. فلا تكاد المفردة "تلبسوا وتلبسون" تقال في القرآن إلا في حقهم. فهي مسجلة باسمهم. وهذه هي الآيات: "ولا تلبسوا الحق بالباطل" البقرة. "لم تلبسون الحق بالباطل" آل عمران.
ودجّل الأرض: أصلحها بالدّجال. ثم شرحه فقال المعجم : السرجين (على وزن السردين) ثم شرحه في موطن آخر فقال: سرجن الأرض: سمدها بالزبل. والسرجين: الزبل.
ونكون بالمعجم الوسيط قد ابتدأنا بالدجل وانتهينا إلى الزبل. وفعلاً هي نهاية الدجل كذلك. وليته كان سماداً تصلح به الأرض، ولكن تسود به عيشة الناس وتشوه حياتهم..
أما الزمخشري العبقري و"الأساس" الذي نختم به هذه العجالة أو المقالة فقال في الجذر "دجل": "عندي رجل ورجيل كأنهما دجلة ودجيل. وهو نهر صغير يأخذ من دجلة. ومن المجاز: رجل دجال: كذاب شبّه بالدجال. ودجّل فلان: إذا لبّس وموه وفعل فعل الدجال. ومنه سيف مدجّل مموه بالذهب. وبعير مدجل: مطلي بالقطران".
والمصيبة في الدجل أن يكون في حضارة بأكملها..
فما أشبه الحضارة الغربية اليوم "بالدجال" كما شبهها الندوي رحمه الله. ولنا مع هذا الموضوع عود.. إن شاء الله.
