ليست ثورة جياع ولا هي ثورة معدمين التي انطلقت في أرجاء الوطن العربي، بل هي ثورة المدافعين عن كرامتهم وحريتهم واستقلالهم، وأي إصلاح أو وعود بالإصلاح لا تكون متأخرة وتأخذ تلك المطالب بالاعتبار قد تكون فعالة في تهدئة الشعب وحماية العروش المتهالكة إن صدقت الوعود ووجدت الإصلاحات طريقها إلى الشعب الثائر، وللأسف فإن تلك الحالة لا نجدها إلا في أنظمة عربية قليلة تتسم بالحكمة، وأبقت على بعض الود مع جماهيرها.
المعارك في ليبيا ما زالت مستعرة ما بين كر وفر وتقدم وتراجع ما بين ثوار ليبيا وكتائب العقيد القذافي. القذافي ومن حوله أعلنوا عن نوايا إصلاح ولكن بعد فوات الأوان ولكنهم أمعنوا في إهدار كرامة المواطن إلى درجة اغتصاب الحرائر انتقاما من الثورة والثوار، وهذه جرائم لا يغفرها الشعب.
وفي اليمن يستهتر علي عبد الله صالح بعقول الثائرين، ويهدر كرامتهم وأرواحهم معتمداً على قدرته في المناورة الكلامية وبضعة آلاف من المؤيدين، وهذه أو تلك لا تنفعه في الصمود والالتصاق الأبدي بكرسي الرئاسة، والحال في سوريا أشد وأنكى، فهي المرة الأولى التي نشاهد فيها الرجال يركلون في وجوههم في دول أخرى ويهانون بشكل فظيع، وما أقبح أن يداس الرجال المكبلون بأقدام رجال أمن حاقدين، وما الذي ستفعله الخطابات الرنانة والوعود بالإصلاح ونحن نشاهد كرامة الرجال تمتهن إلى هذا الحد المؤلم؟! المواطن العربي يريد كرامة وحرية ولا يريد إصلاحاً على أشلاء كرامة ممزقة.
أعتقد أن سقوط الزعيم لا يكون فقط بتخليه الطوعي أو الإجباري عن منصبه بل حين يفقد السيطرة أو الشرعية، وحين يعلن الرئيس الحرب على شعبه يكون قد فقد شرعيته فضلا عن شعبيته إن كان يحوزها أساساً، وبهذا لا يكون رئيساً بل زعيماً لعصابة مسلحة وإن كانت تلك العصابة هي قطاعات من جيش الدولة، وعليه فإن الرؤساء الذين سقطوا بفعل الثورة العربية وثورة الكرامة يتعدون زين العابدين بن علي وحسني مبارك إلى أولئك الذين تسلطوا على شعوبهم بالحديد والنار، وسفكوا دماء مواطنيهم وكرامتهم وإن احتفظوا حتى اللحظة شكلياً بمناصبهم.
