للوهلة الأولى تظن أنك تشاهد مظاهرة ضد الاحتلال الصهيوني في إحدى مناطق الضفة الغربية؛ شباب وأطفال ملثمون، يقذفون الحجارة ويحرقون الإطارات ويواجهون بقنابل الغاز المدمع وطلقات رصاص ترهيبية، ثم تكتشف أنها مظاهرة ضد البطالة والجوع وكتم الأنفاس في دولة عربية غير محتلة عسكريا.
الشرارة انطلقت من إحدى المدن التونسية، حيث احتضنت مدينة سيدي بوزيد تلك المظاهرات لأسابيع عدة قبل أن تبدأ بالانتشار إلى المدن التونسية الأخرى، رغم أن السلطات التونسية حاولت قدر الإمكان امتصاص الغضب الجماهيري بإعفاء بعض المسؤولين الرسميين من مهامهم، ومن خلال زيارات ميدانية قامت بها شخصيات رفيعة جدا لبعض الضحايا بالتوازي مع فرض ستار حديدي من التعتيم الإعلامي، حتى لا تتشوه صورة تونس التي رسمتها ريشة النظام الحاكم الذي نجح في إخفاء كل مظاهر الفقر والحرمان والقهر والقمع الذي يمارس على الشعب التونسي الشقيق، وكذلك كل مظاهر الفساد والإفساد التي اتصف وتسبب فيها النظام ذاته.
إعلامي فلسطيني رافق الوفد الرئاسي الفلسطيني في زيارته إلى تونس والتي لم تستمر أكثر من يوم واحد أكد، بناء على جولة قام بها في العاصمة التونسية، بأن كل ما نراه هو تهويل إعلامي وان تونس بألف خير وكل المشكلة أن شرطية تعاملت بطريقة غير لائقة مع عامل يمارس عمله في كشك للخضار بدون ترخيص ولم يتم اتخاذ إجراءات ضد الشرطية فأحرق نفسه، مؤكدا على قوة الاقتصاد التونسي وارتفاع دخل الفرد وانخفاض نسبة البطالة، فهل نصدق " المحامي" الفلسطيني ونكذب نقابة المحامين التونسيين والشعب التونسي الذي بدأ ثورته من أجل حياة كريمة؟ .
بالأمس سقط أول شهيد في الاحتجاجات الجماهيرية في الجزائر، فهل انتقلت شرارة سيدي بوزيد إلى وهران وغيرها من المدن الجزائرية أم أن هناك الكثير من الدول العربية التي ستشهد احتجاجات مماثلة لأن الحياة والموت أصبح فيها سيان؟ نأمل أن تعي بعض الأنظمة بأنه لا سياسة تكميم أفواه الشعب ولا سياسة صم آذان الحكومة قد تفلح في تغيير الواقع، فالمعاناة التي تحياها الشعوب العربية لا توصف، وهي بحاجة إلى من ينقذها قبل أن تبدأ رحلات الانتحار الجماعي على شواطئ دكتاتورياتهم .

