تدخل الحقوق الفلسطينية في رحلة المفاوضات الأخيرة مرحلة الخطر ، ومع ذلك فإن المفاوضات ذاتها لم تعد تشغل بال المواطن الفلسطيني ولا تحظى باهتمامه . تحاول واشنطن والقاهرة أن تمنحا المفاوضات الأخيرة زخماً إعلامياً وسياسياً يملأ الشاشة الصغيرة ، ويشغل الفضائيات والمراسلين، لأسباب عديدة تشغل القاهرة وواشنطن أكثر مما تشغل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومع ذلك يبدو المواطن الفلسطيني هو الرجل الأقل اهتماماً أو مبالاة بما يجري، ربما بسبب طول أمد المفاوضات وكثرة ما يكتنفها من ذلك وتصريحات متضاربة.
لا خطورة للمرحلة التفاوضية الجديدة ، ولا الزخم الذي منحته كلينتون وأوباما ومبارك وعبد الله الثاني ، ولا التنقل المفعم بالكاميرا بين واشنطن وشرم الشيخ والقدس ورام الله ، ولا تصريحات ميتشل المتفائلة عن التقدم أثارت اهتمام المواطن الفلسطيني في الضفة وغزة ، أو جعلته ينظر إلى المفاوضات الجديدة نظرة استثنائية رغم وجود سيناريوهات خطيرة ربما تجد طريقها إلى الميدان.
إن ما فشلت في تحقيقه (المثيرات) أنفة الذكر، فشلت في تحقيقه أيضاً قيادات الفصائل الوطنية والإسلامية، لقد عبّرت قيادات الفصائل عن إجماع وطني غير مسبوق يرفض عودة عباس إلى المفاوضات، ولكنها فشلت في ترجمة موقفها إلى مثير شعبي عام يحرك الجماهير ويجعلها على تماس مع الأخطار المستقبلية، ويرفع من وزنها وثقلها في مواجهة قرار فتحاوي منفرد بالذهاب إلى مفاوضات في ظل الاستيطان !!
إن توفر المثير، وحضور اللامبالاة، وغياب الإثارة على المستوى الشعبي يؤثر على حالة تراجع وطني فيما يشغل بال المواطن الفلسطيني تتقاسم فيه المسؤولية قيادات الفصائل ومؤسسات المجتمع المدني والجامعات، إذ لا يعقل أن يغيب الشعب والرأي العام عن حالة (ربما هي الأخطر) منذ 1994م، لاسيما ونحن نلمس بوضوح حالة الإنهاك والإحباط التي يعيشها عباس والتي قد تفضي إلى حالة من التنازلات للخلاص من الإحباط والإنهاك على الأقل.
نحن في فلسطين لا ننتظر مخرجات جيدة من مفاوضات (واشنطن- شرم الشيخ- القدس) حين تملأ ابتسامة هيلاري كلينتون الشاشة، أو حين يعلن ميتشل عن (تقدم) في المفاوضات ، لأننا ندرك أن في الجانب الآخر (نتنياهو –ليبرمان). وأن شروطهما للتوقيع على اتفاقية تسوية لا يقبل بها عاقل فلسطيني أو عربي.
إن لغة التزاكي، وخطاب البطولة التفاوضية. التي يمارسها (عباس- وعريقات- وأصحاب المصالح) في المفاوضات أسهمت بشكل كبير في حالة اللامبالاة التي يبديها الشعب إزاء المفاوضات. إن لغة التزاكي المسكونة بالمراوغة والتبرير والثبات على المواقف كذباً تعترض ضعف الوعي الشعبي وإمكانية توجيه الرأي العام نحو المخرجات الهزيلة حال النجاح في المفاوضات أو نحو القبول بالمفاوضات كممر إجباري لا يملك الفلسطيني له بديلاً ؟!
إن تخلف المفاوض الفلسطيني عن إدراك عناصر القوة في شعبة وفي قضيته، وتخلف عنايته بعناصر الضعف عند (إسرائيل)، يجسدان حالة (هزيمة) داخلية لديها قابلية لأن تذل أمام الضغوط الخارجية، وإن فشل الفصائل والقادة والمؤسسات في إثارة اهتمام الشعب والرأي العام يجعل الفصائل صوتاً إعلامياً ضعيفاً بلا عمل قادراً على إيقاف المهزلة والتصدي لحالة الهزيمة الداخلية، وهذه حالة تراجع وطني بكل ما تعنيه الكلمة.


