المفاوضات مع حكومة الاحتلال حول تسوية مقبولة تلفظ أنفاسها الأخيرة . محمود عباس نفسه يعاني من حالة إحباط غير مسبوقة . عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية عبّر عن حالة مماثلة . حالة الإحباط تجسدت فيما أسمته مصادر إعلامية بورقة سرية تحدد المعايير المقبولة بخصوص قضايا الوضع النهائي قدمها محمود عباس إلى الإدارة الأميركية . محمود عباس نفسه نوّه إلى الخبر بطريقة أخرى مخففة فقال : قدمنا للإدارة الأميركية ورقة مكتوبة بموقفنا من قضيتي الحدود والأمن, وننتظر الرد الأميركي . الرد الأميركي لم يأت . والذي جاء هو طلب صريح بالمفاوضات المباشرة.
في فلسطين أغلبية تدرك جوهر الموقف الأميركي والموقف الإسرائيلي من قضايا الحل النهائي . والجميع يدرك أن (16 عاماً مفاوضات) تكشف عن عدم جاهزية (إسرائيل) للتسوية ما لم تحصل (إسرائيل) على استسلام لشروطها, ولكن لا أحد في فلسطين يعلم ما هي المعايير التي قدمها محمود عباس حول قضايا الحل النهائي في ورقته السرية .
أعضاء في اللجنة التنفيذية (م ت ف) لا يعلمون !! وقيادات نافذة في فتح لا تعلم!! وبالطبع حكومة فياض لا تعلم!! وأمناء فصائل (م ت ف) وغيرهم لا يعلمون؟! والشعب الفلسطيني في الداخل والخارج لا يعلم؟!! المنطق العلمي في إدارة الصراع في قضية كالقضية الفلسطينية بما يكتنفها من تعقيدات وحساسيات وآراء مختلفة يقتضي أن يعلم هؤلاء قبل أن تعلم الإدارة الأميركية . بل المنطق والواجب يقول إن هؤلاء هم الشركاء الحقيقيون الذين من حقهم وضع المعايير المقبولة للتسوية في قضايا الحل النهائي, وإن محمود عباس لا يزيد عن موظف عند هؤلاء برتبة رئيس سلطة, أو رئيس (م ت ف).
معايير الشعب الفلسطيني أو قل ثوابته الوطنية يحددها الشعب وتجاهد من أجلها الفصائل والتنظيمات, وليس لفرد مهما كان حجمه القدرة على حمل هذه الثوابت, أو الخروج عنها, أو تحديدها بمعايير تنحرف عن الإجماع الوطني . أو ارتكاب الخطأ الذي ارتكبه المفاوض في أوسلو, وجاءنا بكارثة أسماها تسوية المرحلة الانتقالية, زاعماً أنها مقدمة لتسوية نهائية نعيش بعدها في حرية ورفاهية, فإذا بحالنا بعد أوسلو أسوأ مائة مرة من حالنا قبل أوسلو, ولله الحمد؟!
أنا لست مطمئناً إلى المعايير التي قدمها عباس وإن رفضتها (إسرائيل), وإن تأخر رد الإدارة الأميركية عليها, لأن المعايير لا يكتبها رجل محبط, يتهرب من مسؤولية الإعلان عن الفشل النهائي في مشروع العمر, ولأن المعايير, والمبادئ, والثوابت, يكتبها الشعب, وتكتبها التضحيات, وما دامت الأطراف المعنية قد تم تغيبها فإن الأمر يحتمل التنازل أو التباين الخطر مع ما أجمع عليه الشعب وأولياء الدم.
ليس من الإنصاف أن ينتظر الشعب وأن تنتظر الفصائل عشرات السنين حتى تعلم بحقيقة الورقة السرية, وحقيقة المعايير, لذا فإني أطالب بنشر هذه الورقة, ووضعها وثيقة بين يدي قادة الفصائل والأحزاب كوثيقة تمثل محمود عباس في موقعه الذي يشغله, حتى يدير الشعب حولها نقاشاً يقرر فيه ما لها وما عليها, وفاءً بالعلاقة التعاقدية والمتبقية بين الشعب وبين من سيطروا على (م ت ف).
إن ما ترفضون كشفه ونشره الآن . ستكشف عنه (إسرائيل) غداً وستنشره لأن مصالح الدولة العبرية تقوم على قاعدة اللعب على المكشوف, ومن أراد أن يكون مسؤولاً وشريكاً في التفاوض عليه الالتزام بقاعدة اللعب.
