بقلم: أحمد منصور
حجم الرعب والخوف الذي تعامل به النظام المصري مع عودة الدكتور محمد البرادعي رئيس هيئة الطاقة الذرية السابق إلى مصر بعد انتهاء عمله في الوكالة تكشف عن حالة من الضعف والتردي السياسي العميق الذي وصلت إليه الأوضاع السياسية في مصر كبرى الدول العربية، وقد جاءت مخاوف النظام من الرغبة العارمة لدي كثير من المثقفين وحتى عموم المصريين في التغيير، ورغبتهم في أن يختاروا من يحكمهم بعدما تسلط عليهم حكام متعاقبون لم يختر الشعب أيا منهم إلا عبر استفتاءات يعلم الجميع كيف يتم إعدادها وتزوير إرادة الشعب من خلالها.
لم يعلن البرادعي حتى الآن عن رغبته في الترشح لمواجهة الرئيس الحالي حسني مبارك في الانتخابات الرئاسية القادمة لأسباب كثيرة منها ما يتعلق بالدستور والجوانب القانونية، ولكن جهات مختلفة هي التي قدمت الرجل، وقالت إنه ربما يكون مناسبا لمرحلة انتقالية يتم خلالها إعادة الأمور إلى نصابها وتعديل الدستور، ومنح الشعب حقوقه وإبعاد الذين يختطفون مصر عن مواقع اتخاذ القرار، وتولية الأمور إلى أهلها بعدما أصبح المختطفون لمصر يمنحون كل شيء فيها لأتباعهم وأقاربهم وحوارييهم، وكأن مصر أصبحت ملكا لهم بكل ما فيها، بينما عموم الناس تعاني من مرارة العيش، ووحشة الحياة والمهانة وفقدان الكرامة، ولعل الملفات التي فتحت لوزير الإسكان السابق محمد إبراهيم سليمان تكشف عن جانب من جوانب تعامل هؤلاء مع مقدرات مصر وخيراتها وأملاك شعبها، وهذه ليست سوى قطرة في بحر من حجم الفساد الهائل الذي أصبح يمخر في عباب معظم المؤسسات ولدي كثير من المسئولين في المحروسة.
ولعل هذا ما دفع الآلاف من المصريين من كافة فئاتهم إلى أن يخرجوا لمطار القاهرة الدولي يوم الجمعة 19 فبراير لاستقبال الدكتور محمد البرادعي رغم تهديدات الأجهزة الأمنية واعتقالها لكثيرين ممن دعوا المصريين إلى الخروج إلى المطار واستقبال رجل يعتقد البعض أنه يمكن أن يخرج مصر مما هي فيه لو أتيحت له الفرصة لذلك، خرج عدة آلاف غير مبالين بتهديدات الأجهزة الأمنية بعضهم جاء من أقصى جنوب مصر أو شمالها، وقضوا ساعات طوالا أمام صالة الوصول في مطار القاهرة ليقولوا لرجل لم يلتق معظمهم به من قبل ولا يعرفون الكثير عنه: أهلا بك في بلدك، ونأمل أن تشارك في تغيير هذا النظام الفاسد، لم يحفل هؤلاء بأية عواقب وقالوا للأجهزة الأمنية التي هددتهم نحن لا نخشى منكم، وكانت هذه رسالة قوية للنظام بأن الشعب المصري قد سئم وأنه يريد التغيير وأن العفونة والمستنقع الآسن الذي آلت إليه السياسة الرسمية المصرية قد جعل كل مصري يخجل مما وصلت إليه بلاده ويرغب في التغيير أيا كان الشخص الذي يمكن أن يكون بديلا للرئيس الحالي.
البرادعي الذي تحول دون حقه في الترشح القوانين والتعديلات الدستورية التي فصلت على قدر عدد محدود ممن يحكمون مصر والتي لا تتيح لغيرهم حتى مجرد الترشح أعلن في حوارات تليفزيونية وصحفية أجريت معه قبل وبعد وصوله إن الحفاوة التي لقيها سواء قبل وصوله أو بعد وصوله إلى مصر هي رسالة إلى نظام الحكم بأن الشعب المصري بحاجة إلى التغيير، وقال البرادعي في رسالة وجهها إلى مجموعة موقع «فيس بوك» الذي يدعمون ترشحه لرئاسة مصر: «واثق أننا بنشاطكم وهمتكم نستطيع إزالة جميع العوائق القانونية والدستورية أمام حق كل فرد من أفراد الشعب المصري في الترشح والانتخاب وتغيير الدستور ليسترد كل مصري حريته وحقه في الحياة الكريمة».
نعم لقد أصبحت المعركة الآن هي معركة استرداد الحرية والحياة الكريمة بعدما سلبت من معظم المصريين وتركزت الحرية والحياة الكريمة في يد حفنة من المختطفين لمصر ومقدراتها لا يصنعون ولا يعرفون لمصر مستقبلا ولا حاضرا، وإنما يعرفون كيف يحافظون على كراسيهم ومصالحهم ومصالح أبنائهم وخدمهم، أما مصر وشعبها، فلا يكاد يفكر أحد في مصيرها إلا أبناؤها المخلصون الذين أبعدوا وحوصروا وصرفوا عن كل موقع يمكن أن يستطيع أحدهم أن يقول من خلاله كلمة حق أو يغير باطلا قائما، ويكفي أن نعرف أن هناك مليون عالم مصري يعيشون خارجها كلهم مثل البرادعي، وربما أفضل منه بعدما أغلقت أمامهم فرص الإبداع والحرية والحياة الكريمة في بلادهم.
إن حالة التردي التي وصلت إليها مصر رغم قسوتها، إلا أنها في حياة الأمم وتاريخ الشعوب هي الحالة التي تسبق اللحظات الفارقة في التغيير، وذلك إن توفرت للشعب الرغبة الحقيقية والإرادة الجامحة في التغيير وسعى بحق ليسترد حقوقه وحريته، غير أن تحقيق هذا لا يكون بالكلام وحده، وإنما عبر طريق طويل يخرج بالناس من مجرد السعي للحصول على مصالحها الخاصة إلى البحث عن مصالح الشعب ومطالب الأمة، قد يكون البرادعي أو غيره خطوة في طريق طويل للتغيير والإصلاح سوف تتعرض بل تتعرض للإجهاض والإبعاد، لكنها لا تعني أن يتخلى الناس عن حقوقهم في استرداد الحرية والكرامة والحق في الحياة الحرة الكريمة.

