السبت 07 فبراير 2026 الساعة 06:54 م

مقالات وآراء

ديما السماني

مدير العلاقات العامة والإعلام في وزارة التعليم
عدد مقالات الكاتب [6 ]

آخر أوراق التوت..!

حجم الخط

بقلم: ديما السماني

كان ينتظر أحلك ساعات الليل فيرنو من نافذته، يطل على الحديقة القريبة.. كم يحزنه هدوء أشجارها وسكون أوراقها، وكم يهزه صمت أوراق التوت.. يرقب تناسق الأشجار واصطفاف الأوراق، كأنها جيش منظم إذا تحركت إحداها مالت الأخريات بالاتجاه ذاته، تختال بحفيفها فوق أغصان لم تستكن لهبوب الرياح ولا لعواصف الرمال.

يزور النعاس عينيه المحملقتين فتطردانه، هما تدركان أن الصبي الصغير في الانتظار، فلم تتعب نظراته ولم تتغير جلسته الغضة على حافة النافذة التي حوّلها لبرج مراقبة صغير أبرز معداته العينان، أما أفتك أسلحته فهما العينان..

تمل الساعة من تكرار دقاتها وهو لم يمل، يحاول إخفاء لسعات البرد بغطائه الناعم الذي بدأ يهترئ، ويكمل دور الانتظار، ما بال الليلة هذه؟ أما ملت هي الأخرى الانتظار؟

يطرق النعاس باب العينين من جديد ويدخله سريعاً، تغمضان بحركة سريعة متوازية، فيصبح الصبي أعزلاً في برجه الصغير، ويبدأ الجسد الطري بالاسترخاء على حافة النافذة الحجرية.. حتى رموشه استكانت وانفاسه المتتالية البطيئة لا تحكي سوى الملل من الانتظار، وبينما هو كذلك تزغرد طلقة في الهواء.. فيستفيق طارداً النعاس وكل شيء، يفرك عينيه ويمسح آثار النوم البغيض عن وجهه، يحملق في الحديقة ويُخرج نصف جسده من النافذة..

لم يضع انتظاره هباء، رآهم أخيراً، تستقبلهم أوراق التوت المخضرّة، رآهم يدوسون فرش التراب في الحديقة برفق، يسارعون خطواتهم ويسابقون أنفسهم، يلمس أحدهم ورقة شجر متدلية، ثم يبعدها بلطف عن طريقه، رأى الورود تفتح أفواهها باتجاههم، رأى الحشائش تستنفر كلما داستها قدم أحدهم، وكأنها تحسد بعضها وتتمنى لو تعلقت أي منها بحذاء أحدهم الأسود.

يحاول الصبي مراقبتهم دون ان يحدث صوتا حتى كاد يقطع أنفاسه، الابتسامة العطشى على شفتيه لم تنقطع مذ لمحهم يمرون من حديقته بأسلحتهم اللامعة على ضوء قمر ناقص، ولثامهم الأسود في عينيه لم يكن أسودا ولا حالكاً، كان ناصعاً جديداً في كل مرة، مزيناً الوجوه المتخفية وكاشفاً الأنفس الوضّاءة التي لم تحرمه رؤيتها يوماً..

لم يطل مرورهم ذاك كما هي العادة، ولكنه كان كافيا ليعيد الصغير إلى سريره، يصغي جيداً لعزف الطلقات المنبعثة من فوهات بنادق رآها منذ برهة والكل نيام، يضع كفه تحت خده ويغمض عينيه على الأصوات تلك وكأنها حكاية ما قبل النوم، تلك حكايته المفضلة، بل تلك حكايته الوحيدة.. لا ينجح في انتزاع الابتسامة مهما حاول، بل هي تروقه لأن الأضلاع حضنها الوحيد.. يستسلم لنوم هادئ وينتظر 'جرعة مرورهم' غدا..

تلك الليالي الملاح لم تحمل له سوى الابتسامات ولذة النوم بعد انتظار طويل ينتهي بثوان معدودة من مرورهم، لكن ذاك على بساطته كان يعني له أن كل قطع حياته تسقط في مكانها المناسب، وأن كل ساعات العمر يمكن اختصارها في الثواني المتلاحقة تلك، وأن كل ابتسامات الحياة يمكن اختزالها في اللحظات المارقة هذه، وأن لوعات الحزن يمكن تناسيها بلمسات أحدهم لورقة التوت المتدلية التي انحنت لاستقباله..

في الليلة التالية عاد لبرجه المراقِب، وبعد كل تلك الاستعدادات واستئذانات النعاس وانحناءات الأوراق في انتظارها المعهود، مر أصحاب اللثام الناصع كما هي عادتهم، وتشبثت النظرات بهم كما هي عادتهن، وتركزت الأبصار والأسماع كلها نحوهم كما هي عادتها، ولكن الأضلاع تلحظ تغيّب اثنين من الوفد السداسي الملثم، لم تكترث للتغيب بقدر فرحتها لرؤياهم.. ولم تكترث أيضا لانخفاض عدد زغاريد الطلقات فيما بعد..

لكن الأمر أصبح مقلقاً وتقلّصُ الأعداد أمسى مصدر ريب وحيرة، لم تقلقه تقلبات حياتهم أو خروج أرواحهم، لأنه كان سيشعر بارتقاء أي منهم كما شعر بذلك عدة مرات قبل سنوات، ولأنه كان سيرى وجوههم لأول مرة على جدران احتوتهم، ولأنه كان سيسمع صيحات الزغاريد ذاتها ترتفع لا تنخفض شيئاً فشيئاً.. ما كان يقلقه أعظم.. تَبدّلُ مسارات يطفئ نصاعة أقنعتهم ويخفت ضوء أسلحتهم، ويجعلهم تماما كالبقية.. لا يستطيعون رسم ابتسامة.

في ليلة غائمة حاول فيها ذاك المدور الأبيض وسط السماء فاشلاً الظهور من بين أطياف السحاب، وتمايلت الأغصان مع صرير الرياح، وعزفت الأعشاب لحناً آخر لم تعتده الأوراق المنحنية.. أطل برأسه الصغير من نافذته، وأخذ غطاءه متأهباً لرؤيتهم، لكنه تخلص من ابتسامته مع مرور الوقت، وكلَّ ساعداه عن حمل وجهه المدور بعد ساعات من الانتظار، وطرق النعاس باب العينين فاستقبلتاه بلا سؤال، واستسلم للنوم آملاً بالاستيقاظ على زغاريد تنعشه وتعيده إلى سريره..

أشعة الشمس تلألأت فوق زجاج النافذة القديم، وعكست أضواءها الذهبية على كل ما في غرفته الصغيرة، فلم ينجُ وجهه منها ولم تستطع عيناه مقاومة خيوط الضوء المترامية عليهما، فاستفاقت وأفاقت معها الصبي.. ولكنه بقي بلا حراك، فليلته هذه أمضاها على حافة النافذة منتظراً ولم توقظه زغاريد الطلقات، بل لم تكن هناك أي زغاريد وأي طلقات، نظر إلى الحديقة فوجد التراب ناعما لم تخشّنه أحذيتهم، والأوراق متدلية لم ترفعها أياديهم، والحشائش مكلومة لم تعلق بأرجلهم،، سارع النظر إلى شجرة التوت فلم يجد أوراقها.. كلها تناثرت ورحلت ولم تعد، وبقيت ورقة واحدة، هي آخر أوراق التوت، سقطت بعد أن اطمأنت لنظرات الصغير تشكو حالها وحال أياد لم تلمسها..

'الآن يا صبي، تستطيع النهوض عن كرسيك المدولب هذا لتلمس الأوراق القادمة.. فتُبقي فيها اخضرار الحياة، وتبقى صاحب اللثام الناصع لا الحالك المزوّر.. تُشبع انتظار صِبية مثلك .. ثم لا تخذلُ روحهم ولا تحرمهم مرورك سوى حين تنتشر الزغاريد العذبة في جسدك'..