في كل مؤسسة، صغيرة كانت أم كبيرة، هناك كائن غامض لا يراه أحد، ولا يسمع صوته أحد، لكنه يحضر جميع الاجتماعات ويوقع على جميع القرارات. اسمه " المصلحة العامة ".
هذا الكائن العجيب يمتلك قدرة خارقة على الظهور في اللحظة التي يحتاجها المسؤول لتبرير قرار اتخذه مسبقا بدافع شخصي، ثم يبحث لاحقا عن غلاف أخلاقي ومهني يقدمه للجمهور. عندها تخرج الكلمات المألوفة من الأدراج المغلقة مثل الشفافية، المهنية، الحوكمة، التطوير المؤسسي، وتحقيق الصالح العام.
واللافت للمتابع عن كثب يجد بأن هذه المصطلحات لا تستخدم غالبا لوصف الواقع، بل لتجميله. فهي أشبه بمستحضرات التجميل الإدارية؛ كلما ازداد القرار انحيازا وقبحا، ازدادت الحاجة إلى طبقات إضافية من "المهنية" و"الشفافية" في القرار الذي تم اتخاذه.
فإذا أردت إقصاء شخص لا يعجبك، فلا تقل إنك لا تطيقه؛ قل إن إعادة الهيكلة تقتضي ذلك. وإذا أردت تزبيط أحد المقربين أو الأحباب، فلا تتحدث عن الصداقة؛ تحدث عن الكفاءة الاستثنائية التي اكتشفتها فيه فجأة بعد سنوات من الغياب. وإذا رغبت في احتكار القرار، فلا تصف الأمر بالسيطرة؛ بل أطلق عليه " توحيد المرجعيات المؤسسية".
المثير للسخرية أن الشفافية في بعض المؤسسات تشبه الزجاج المعتم؛ الجميع يتحدث عنها، لكن لا أحد يرى من خلالها شيئا. أما المهنية، فهي كلمة مطاطية تتمدد وتنكمش وفق مقاس صاحب القرار وأهواءه الشخصية. فإن وافقك الناس كانت المهنية حاضرة، وإن اختلفوا معك أصبحوا معرقلين للتطوير ومقاومين للتغيير.
ومع مرور الوقت، تتحول الشعارات النبيلة من قيم يفترض أن تحكم العمل إلى أدوات تستخدم لإخفاء الدوافع الحقيقية. فتغدو اللغة الرسمية فنا راقيا في استبدال الحقيقة بمفردات أكثر أناقة. فلا يقال إن القرار انتقائي، بل "استند إلى معايير مهنية موضوعية". ولا يقال إن الرأي الآخر أُقصي، بل "تم الأخذ بمخرجات التقييم والصالح العام ". ولا يقال إن الهوى انتصر، بل "تم مراعاة الاعتبارات المؤسسية".
وهكذا، يصبح الصالح العام مظلة واسعة تكفي لإخفاء كل شيء، من المصالح الضيقة إلى الحسابات الشخصية، ومن الرغبات الفردية إلى تصفية الحسابات المؤجلة. وكلما كان القرار أكثر ارتباطا بالأهواء، ارتفع منسوب الحديث عن النزاهة والاستقلالية.
أمام هذا المشهد المثير للغثيان، على كل من ركب السفينة ويخشى عليها الغرق بفعل ما يقترفه هؤلاء السفهاء أن يعلوا الصوت بناءً على ما تقتضيه المصلحة العامة، وأن يقال بشكل واضح: "غوروا في ستين داهية "
