تتطلع عيون وأفئدة 11000 أسير فلسطيني وعربي ومعهم عائلاتهم إلى إعادة تكرار ذلك اليوم الذي استطاع فيه شيخ المقاومين احمد جبريل أن يحرر 1155 أسير مجبولة أيديهم بالمسك وشبت أنفسهم على مقاومة من تطاول وتمادى في قتل أبناء الشعب الفلسطيني ، كان منهم من أمضى عشرات السنين في سجون الاحتلال، تحرروا ضمن عملية لم يسبق لها مثيل ، فقد أعادت الغائبين إلى ذويهم ولمت شمل الأحبة، لقد أعادت الروح للجسد ووضعت قضية الأسرى على سلم الأولويات والأعظم من كل هذا وذاك فقد أرفدت الساحة الفلسطينية بمجموعه كبيرة من القادة الذين قادوا الانتفاضتين ، وضربوا أروع الأمثلة في التوحد والوحدة، فهم رفقاء القيد وشركاء النضال الحقيقي .
وبعد 23 عاما من أضخم عملية تبادل أريد أن أقف عند هذه الصفقة ، وأطرح مجموعه من الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن :
أحمد جبريل المقاتل الأسطورة وصاحب أضخم وأكبر العمليات النوعية من قدم ولده فداءً للوطن ، لم يكن بالمفاوض السهل، ولم يكن ليتنازل في يوم من الأيام ، عرف العدو شخصيته وأنه في الحقوق لا يتنازل فصغر الآخر وذل أمام إصراره وعزيمته، وأكبر مثال على ذلك أن عملية التبادل الكبرى كانت بشروطه و اختياره للأسماء والوقت والكيفية . فأي عظمة تلك التي أحنت جباه الصهاينة وجعلتهم يذعنون بذل وصمت أمام إصرار أحمد جبريل .
يعتبر الكيان الصهيوني عملية تبادل 20/5/1985 من أكبر الأخطاء التي قامت بها دولة الكيان الصهيوني على الإطلاق ، واعتبرت ذلك الاتفاق ضعف منها أمام مجموعه صغيره من المقاتلين لذلك أخذت على نفسها أن لا تكرر مثل هذه الصفقات والتنازلات .
منذ ذلك اليوم وحتى الآن لم تحدث أي عملية تبادل حقيقية وبنفس القوه والحجم الذي كانت فيه عملية تبادل الـ 85 ، وهنا يجب أن نطرح سؤال كبير ما هو السبب ولماذا لم تتكرر مثل هذه العملية؟؟
لقد كانت هناك العديد من محاولات خطف جنود قامت بها حركة حماس منها اختطاف (إيلان سعدون وآفي أسبورتس ونسيم توليدانو) ، ومع أن كل هذه العمليات لم تنجح و لأسباب عدة ، إلا أنها بقيت محاولات عاش معها الأسرى لحظه بلحظه وساعة بساعة علها تكون المخلصة لهم من سجون الاحتلال .
الأسرى في سجون الاحتلال وبالذات ذوي الأحكام العالية مقتنعون كامل الاقتناع أن لا مخلص لهم مما هم فيه من سجن وظلم ، إلا عملية تبادل تحدث بعد عملية خطف جنود ، فكل الإفراجات التي حدثت نتيجة اتفاقية أوسلو لم ترقَ لما هو مطلوب بل على العكس كانت في كثير من الأحيان محبطة ومخيبة للآمال حيث يتم الإفراج عن أصحاب الأحكام الخفيفة وبعض الأسرى الجنائيين الأمر الذي كان يصيب الأسرى أصحاب الأحكام العالية والأسرى القدامى بنوع من اليأس والإحباط .
ولنا في هذا الصدد أن نتخيل أوضاع نائل البرغوثي وسعيد العتبه وحسن سلمة الذين لم تشملهم صفقة تبادل القائد أحمد جبريل قبل اثنين وعشرين عاماً حيث كان لهم في حينها عشر سنوات في سجون الاحتلال والآن مضى على اعتقالهم أكثر من ثلاثين عاماً ينتظرون عملية تبادل وعملية أسر لجندي إسرائيلي تقدره دولته وتفتديه بكل ما هو ممكن أو غير ممكن لتخلصهم من قسوة السجن وظلم السجان .
ثلاثة وعشرون عاماً على آخر عملية تبادل حقيقة ، زمنٌ طويل وأجيالٌ تتبعها أجيال وفصائل كلها تصف نفسها بالمقاومة لم تفلح في تحرير هؤلاء من براثن السجون ومخالب المحتل .
ثلاثة وعشرون عاما على آخر عملية تبادل حقيقة ولا أحد يملك الجرأة أو الشجاعة ليعترف أو يقر أنه مقصر في عملية تحرير هؤلاء الأسرى سواءً أكانت فصائل أو سلطة .
أمل جديد عاد ليتسرب في نفوس أسرى الحرية في سجون الاحتلال تمثل في عملية خطف الجندي جلعاد شليط في أواسط العام المنصرم ، ضمن عملية بطولية نوعية ، زرعت الأمل وأحيت الهمم وأعادت الاعتبار وسلطت الضوء على معاناة هؤلاء الأسرى ، ولكن هذا شعاع الأمل سرعان ما يخفت ويعود يقوى من جديد أمام عدم وضوح التصريحات من بعض المسؤولين الفلسطينيين ، فترى أن هناك من يريد أن يعود الجندي إلى دولته مقابل أي ثمن وتارة يتم تحميل الفصائل التي اختطفته أعباء ما حدث من قصف وتدمير لمدن غزة إثر أسر الجندي .
عدم الوضوح وتضارب التصريحات ومحاولة زعزعة استقرار الأسرى هذا تحطم على صخرة إصرار وبسالة آسري الجندي الصهيوني وقدرتهم البارعة في إخفائه وتوحيد خطابهم الإعلامي القاضي أن لا مجال للإفراج عنه دون أن يذعن المحتل لشروطنا وطلباتنا القاضية بضرورة الإفراج عن الأسرى القدامى بغض النظر عن أماكن سكنهم فلا فرق بين قدس ومناطق ال 48 والضفة وغزة .
وفي الختام المطلوب منا كفلسطينيين أن نوظف هذا الأمر لصالح أسرانا وحركتنا الأسيرة التي تنظر إلينا بعين الأمل والرجاء في أن نوضح معاناتهم وحرمانهم والظلم الواقع عليهم و أن لا سبيل في تخفيف معاناتهم والإفراج عنهم إلا بالقيام بمثل هذه العمليات النوعية ، وهنا أقول هل ستفعلها حماس بعد ثلاثة وعشرين عاماً من صفقة القائد أحمد جبريل وتحقق حلم من بقي في الأسر من أسرى الشعب الفلسطيني والأسرى العرب .
وهل ستسير باقي الفصائل الفلسطينية على نهج الشيخ أحمد جبريل ، ومن بعده خاطفي شاليط الذين أعادوا الاعتبار لقضية الأسرى ووضعوها على سلم الأولويات؟؟؟
