15/أيار/2008 ستقيم فصائل وقيادات فلسطينية احتفالات الكذب والدجل والشعارات الجوفاء وتعبيرات الخواء. غدا هو يوم الكاذبين الدجالين الذي يسمسرون على فلسطين في أسواق النخاسة والتبضيع الذي ستنطلق فيه حناجرهم منددة بالغزو والعدوان، متوعدة الأعداء البطش والانتقام. وغدا هو اليوم الذي ستقف فيه جماهير فلسطينية غفيرة تهزأ بالخطباء وتهز رؤوسها مستنكرة الزفة المزيفة، ومتندرة على شوارب الخطباء الراقصة. غدا تتجسد نكبتنا في هؤلاء الذين يصرون على نكب الشعب الفلسطيني.
بعد ستين عاما من النكبة، نحن ما زلنا نصر على النكبة وعلى الهزيمة، وكأن كل جوانبنا قد استرخت مرتاحة للإذلال والإهانة. ويبدو أننا نستكفي بشتم العدو الهمجي المتوحش البغيض الذي صب الأنبياء اللعنات على رأسه، ونريح أنفسنا من شرور البناء واكتساب القوة. بعد ستين عاما، حالنا هو التالي:
1- نحن مخترقون أمنيا، والعدو يعشعش بجواسيسه وعملائه في بيوتنا ومؤسساتنا وحاراتنا وكل أزقتنا. لم نتعلم أي درس أمني نحافظ فيه على مقاومينا وأبنائنا، وما زلنا نخوض نضالا شرسا ضد عدو مدجج من على شاشات التلفاز، وبريش الطاووس؛
2- نحن نعترف بالعدو ونعترف بدولته ونصادقه ونقبّل نساءه ونطبع معه، وفي المقابل نزمجر بأصوات صدئة بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة وعاصمتها القدس الشريف؛
3- لقمة خبزنا الآن هي في الغالب بأيدي أعدائنا. عدونا يقدم لنا الطعام، ونقيم حفلات اللطم والعويل إن توقف عن إمدادنا؛
4- نحن أسرى رواتب يدفعها العرب للدول المانحة لكي تقرر إسرائيل وأمريكا كيف ومتى يتم صرفها. نحن أسرى رواتب يتم دفع أغلبها لأجهزة أمنية مطلوب منها الدفاع عن الأمن الإسرائيلي وليس عن الأمن الفلسطيني؛
5- الفلسطيني الآن يعتقل الفلسطيني ويعذبه ويقتله ويفتش بيته ويلاحقه في لقمة خبزه؛
6- فلسطينيون يقفون الآن حراسا على بوابات مملكة إسرائيل؛
7- أوضاعنا الأخلاقية تدهورت إلى درجة أنها لم تعد تصلح إلا للهزيمة. أخلاق الكبرياء والبناء والتقدم قد ذهبت وبقيت أخلاق التبرير والحرمنة والمكائد والدسائس والغدر والخيانة. أنا لا أشمل الجميع، لكنني اتحدث عن النمط العام السائد؛
8- بعد ستين عاما من النكبة، نحن ما زلنا نشتري بضائع العدو والتي، في أغلبها، نستطيع العيش بدونها. نحن نشتري من العدو مواد مثل البطاطا المقلية والبطيخ والشوكولاته وعصير البرتقال؛
9-
نحن من يدمر اقتصاده بيده. لقد وجهنا ضربات قاصمة للفلاحين والحرفيين والعمال الذين يجب أن يكونوا عماد الوطن. الفلاح هو الأرض، وماذا يبقى من الوطن إذا ترك الفلاح المزرعة؟
10- الأمريكيون أعداء العرب والمسلمين والذين يقتلونهم ويثخنون فيهم الجراح حكام بالنسبة لنا ومرجعيات ونهرع إليهم مستغيثين؛
11- شوارع فلسطين شهدت اقتتالا داخليا دمويا، امتدادا لاقتتالات كثيرة حصلت بين فصائل فلسطينية كثيرة في الأردن ولبنان. تقتتل لماذا؟ لأن بعضنا يحتضن العدو.
12- الفساد ينخر مؤسساتنانا والوساطات والمحسوبيات والرشاوى هي عناوين ممارساتنا الإدارية؛
13-قياداتنا عناوين للتهريب والسرقة والفئوية والكذب والانحطاط الأخلاقي، وهي أدوات يتندر العدو من خلالها بالشعب الفلسطيني؛
14- نحن كشعب نرى الموبقات تقترف بحقنا ونصمت، والشجاع هو الذي يطلب من الصارخين السكوت حتى لا يطاله أذى السلطة والأجهزة الأمنية؛
15-مؤسساتنا التعليمية وبخاصة الجامعات عبارة عن مزارع للأجهزة الأمنية الفلسطينية وغير الفلسطينية، وباتت هذه المؤسسات شبيهة بالمؤسسات الجامعية العربية؛
16-أما التكاتف والتضامن فحدث ولا حرج. الشهيد أمامي وأنا أقيم احتفال عرس لراقصين على الدماء.
القائمة تطول. نحن نقترف الموبقات ونتآمر على شعبنا وعلى حقوقه، ونحقق الثراء على أكتاف اليتامى والشهداء والأرامل والمساكين، وفي نهاية النهار نوسع العدو هجوا. نحن نكذب. كثيرون منا يعشقون العدو، ويريدون العدو، ولولا العدو لما كان لهم نصيب من الخيانة. العدو حقير وسفاح ودموي وحقير وساقل وجشع ومنحط ولئيم وحقود وأكلب من ابن كلب، لكن من بيننا من هم أكثر كلبنة منه، ولولاهم لما تمكن منا كل هذه السنين.
سيطلع علينا من يقول بأن القيادات قد حققت لنا إنجازات عظيمة وعلى رأسها السلطة الفلسطينية. أقول لهؤلاء إن السلطة الفلسطينية عبارة عن مطلب إسرائيلي قديم، وكان بإمكان روابط القرى بقيادة مصطفى دودين أن تأتي بسلطة أفضل بكثير من السلطة القائمة حاليا. يكفينا تبجحا. تمر السنين وإسرائيل تمعن في سياساتها والمفاوض الفلسطيني يتشدق بالدولة الفلسطينية.
آن لنا في هذه الذكرى المؤلمة أن نغير ما نحن فيه. يجب أن نثور على أنفسنا وعلى هذه القيادات التي تتخذ من حقوق المساكين وسيلة للاستثمار والثراء والجاه. علينا أن نتوقف عن مهادنة الكاذبين الدجالين النصابين، وعلينا أن ننفض عن أنفسنا ما تراكم علينا عبر الزمن. العويل واللطم لا يجديان.
لا سبيل أمامنا سوى سبيل بناء القوة، وأولى خطواتنا يجب أن تكون إعادة بناء المجتمع الفلسطيني. ب هكذا مجتمع وهكذا أخلاق الطريق الوحيد المفتوح أمامنا هو طريق الهزائم والمزايدات


