الجمعة 09 يناير 2026 الساعة 08:04 م

الأخبار

انهيار منظومة التحاليل الطبية يضع غزة أمام كارثة صحية

حجم الخط
غزة ـ صوت الأقصى

لم تعد معاناة المرضى في قطاع غزة مقتصرة على نقص الأدوية العلاجية، بل امتدّت إلى ما هو أخطر وأشدّ إيلامًا: غياب الفحوصات الطبية المخبرية الأساسية التي تُشكّل حجر الأساس في تشخيص الأمراض وإنقاذ الأرواح، في ظل انهيار شبه كامل لمنظومة التحاليل الطبية داخل المستشفيات والمختبرات الحكومية.

فحوصات حيوية، مثل تحليل الدم الشامل (CBC)، وأملاح الدم، والفحوصات الكيميائية، والمزارع البكتيرية، وتحاليل بنك الدم، إلى جانب فحوصات نسب الأدوية في الدم، وتحاليل مرضى الغدد وزراعة الكلى، باتت إما غير متوفرة كليًا أو تُجرى بشكل جزئي ومحدود، ما يضع حياة آلاف المرضى أمام مصير مجهول.

أمراض بلا تشخيص

بالقرب من قسم الطوارئ، تحمل أم راما طفلتها ذات الأعوام السبعة، التي فقدت وزنها بشكل ملحوظ، قائلةً:

"راما كانت نشيطة، واليوم بالكاد تقف. ترتفع حرارتها فجأة، ويهبط الدم دون سبب واضح. طلب الأطباء فحص CBC ومزرعة دم لمعرفة إن كانت هناك بكتيريا في الدم، لكن المختبر عاجز".

وتتابع بصوت مكسور:

"أُعطيت مضادات حيوية دون تحليل، مرة تتحسن ومرة تسوء. كل تأخير في التشخيص قد يضر بوضعها، وقد يسبب تدهورًا في حالتها".

وفي قسم الكُلى، يجلس أبو محمد (56 عامًا) على كرسي غسيل الكلى مرتين أسبوعيًا، لكن ما يقلقه ليس الجهاز بقدر ما يقلقه غياب التحاليل:

"قبل الحرب كنت أُجري فحوصات أملاح الدم ونِسَب الأدوية بشكل منتظم. اليوم لا أحد يعرف إن كانت الأملاح مرتفعة أم منخفضة. لا تتوفر الإمكانيات لإجراء التحاليل بشكل دوري، عدا عن تقليص جلسات الغسيل بسبب نقص الأدوية والأجهزة. أحيانًا أشعر بدوخة حادة وتشنجات، لكن الطبيب لا يملك وسيلة للتأكد… نحن نتعالج بالظن، وهذا يضر بوضعنا".

ويضيف، وهو يشير إلى يده المرتجفة:

"أي خلل بسيط في الأملاح قد يوقف القلب، وأنا أعيش كل جلسة كأنها اختبار جديد للبقاء".

من جانبه، يؤكد طبيب مخبري (فضّل عدم ذكر اسمه) أن أدوية ومواد الفحص لبعض الأمراض لا تتوفر إلا بكميات محدودة جدًا، لا تغطي سوى حالات قليلة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة أسبوعيًا، ما يضطر الطواقم الطبية إلى اختيار الحالات الأخطر فقط لإجراء التحاليل، فيما تُعالج بقية الحالات اعتمادًا على التقدير الطبي والفحص السريري، وهو ما يحمل نسبة خطأ محتملة ويُهدد حياة المرضى، في ظل انعدام البدائل.

تدهور خطير

في المقابل، يؤكد الدكتور بسام أبو ناصر، استشاري طب الأسرة، أن القطاع يشهد أخطر موجة انتشار للكبد الوبائي على الإطلاق، قائلًا:

"اليوم نتحدث عن عشرات الآلاف من الإصابات. الأرقام الرسمية تتحدث عن 70 ألف حالة وربما أكثر. هذا انتشار غير مسبوق ولا يمكن لأي مجتمع تحمّله".

ويشير أبو ناصر إلى أن الكارثة تتفاقم بسبب انعدام الفحوصات الطبية الأساسية للكشف عن المصابين، موضحًا:

"الفحص المخبري غير متوفر إلا لعينات معدودة يوميًا، بينما يصل عدد المراجعين أحيانًا إلى أكثر من خمسين مريضًا. نضطر لاختيار الحالات الأخطر فقط".

بدورها، حذّرت الدكتورة سحر غانم، مديرة وحدة المختبرات وبنوك الدم في وزارة الصحة، من تدهور خطير يضرب خدمات المختبرات وبنوك الدم في قطاع غزة، في ظل نقص حاد ومستمر في مواد الفحص والمستلزمات المخبرية الأساسية، ما ينعكس بشكل مباشر على قدرة المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية على تقديم الخدمات للمرضى.

وأوضحت غانم، في حديث خاص لـ"الرسالة"، أن نسبة العجز في أرصدة مواد المختبرات بلغت نحو 73%، فيما وصل العجز في المستهلكات المخبرية إلى 60%، وهي أعلى نسبة نقص تسجلها المختبرات منذ بداية الحرب وحتى اليوم، ما ينذر بتوقف واسع للخدمات التشخيصية.

وبيّنت أن العديد من الفحوصات الأساسية باتت مهددة بالتوقف أو توقفت فعليًا، وفي مقدمتها الفحوصات الضرورية لتشخيص الأمراض وإنقاذ حياة المرضى، مثل فحوصات الدم الشاملة (CBC)، وأملاح الدم، والفحوصات الكيميائية، والمزارع البكتيرية، وفحوصات بنك الدم، إضافة إلى فحوصات نسب الأدوية في الدم، والفحوصات الخاصة بمرضى الغدد وزراعة الكلى، وغيرها من الفحوصات الحيوية.

وأشارت غانم إلى أن العدوان الإسرائيلي أدى، منذ بدايته، إلى خروج عدد كبير من مختبرات المستشفيات عن الخدمة نتيجة التدمير المباشر، موضحةً أن أربعة مختبرات فقط من أصل 12 مختبرًا تابعًا لمستشفيات وزارة الصحة ما تزال تعمل حاليًا، إلى جانب 15 مختبرًا في مراكز الرعاية الأولية من أصل 37 مختبرًا.

وأضافت أن أكثر من 60% من أجهزة المختبرات خرجت عن الخدمة، إما بسبب تدميرها المباشر أو حاجتها الماسة إلى قطع غيار غير متوفرة، ما يهدد استمرارية العمل في ظل تهالك الأجهزة المتبقية.

وأكدت أن الطواقم الطبية تحاول مواصلة تقديم الخدمات المتاحة عبر وسائل بديلة وبدائية في بعض الفحوصات، إلا أن هذه الحلول مهددة بالتوقف في أي لحظة بسبب عدم توفر كميات كافية من المواد المخبرية.

وفيما يتعلق ببنوك الدم، شددت غانم على أن الخطر الأكبر يتمثل في قرب نفاد مواد الفحص اللازمة لإجراء التحاليل الأساسية لوحدات الدم قبل نقلها للمرضى، الأمر الذي يشكل تهديدًا مباشرًا لسلامة المرضى المحتاجين لنقل الدم.

وختمت غانم بالإشارة إلى أن ما دخل إلى المختبرات من مستلزمات منذ وقف إطلاق النار لا يغطي سوى أقل من 20% من الاحتياج الفعلي، مؤكدةً أن استمرار هذا الوضع ينذر بكارثة صحية حقيقية في قطاع غزة.

ووجّهت وزارة الصحة نداءً عاجلًا إلى الجهات المعنية والمؤسسات الدولية والإنسانية للتحرك الفوري وتوفير المستلزمات الطبية الأساسية، من أجل إنقاذ النظام الصحي في غزة ومنع انهياره الكامل.

المصدر: الرسالة نت