الخميس 15 يناير 2026 الساعة 08:00 م

مقالات وآراء

هل السلطة الفلسطينية معنية بمحاكمة “إسرائيل”؟

حجم الخط
أيمن دلول

تفصلنا عدة أيام لنطوي السنة الأولى على انضمام فلسطين إلى محكمة الجنايات الدولية، ففي الأول من إبريل من العام الماضي 2015م بات كياننا السياسي يحمل صفة العضوية الكاملة في تلك المؤسسة التي تم تأسيسها في العام 2002م بقرار من الأمم المتحدة، كأول محكمة قادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الاعتداء.

 

بعد أن أصبحت فلسطين تحمل هذه الصفة الرسمية سادت الأفراح والليالي الملاح وصفق المصفقون وطبل المُطبلون وأشغلوا المساحات الإعلامية الواسعة عبر الفضائيات التابعة لهم، وجيشوا الآلاف من عناصرهم للحديث عن هذا المُنجز الوطني الكبير، لكن وبعد عام على نيل هذه العضوية من حقنا السؤال: ماذا حققنا من منجزات تُضاف لأرشيف التاريخ الفلسطيني المُشرق بعد الجلوس تحت سقف هذه المؤسسة؟.1

 

بكل تأكيد، فإن انضمام “فلسطين” إلى المؤسسات الدولية على اختلافها يُعتبر من المنجزات الكبيرة للقضية الفلسطينية، غير أن الخطوة الأهم تكمن في التفاصيل، وهي القضايا الشائكة التي أعتقد بأننا لا نملك إجابات صريحة عنها، لنقوم بوضع المواطن الفلسطيني البسيط فيما يدور بين سطورها التي يُتقن الساسة تزيينها لنا وإظهارها على غير حقيقتها، خشية إظهار فشلهم.

 

استبشرنا خيراً بقرار قبول عضوية فلسطين في هذه المؤسسة الدولية، خاصة وأننا نمتلك الآلاف من القضايا التي تنتظر التوجه لهذه المؤسسات، وأزعم بأن أصغر قضية منها يُمكن أن تُربك حسابات الاحتلال الإسرائيلي، فجرائمه أكبر كثيراً من أن يفلت منها، ولكن: هل السلطة الفلسطينية معنية برفع جرائم الاحتلال أمام المؤسسات الدولية؟ أم أن خطوتها فيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية هدفت لإشغال الرأي العام الفلسطيني الذي وصل لقناعة تامة بأن سلطته وحكومته ورئاسته لا تبحث عن مصالحه، وغير مؤتمنة للدفاع عن مظلوميته؟.

 

أُدرك جيداً بأن كافة المؤسسات الدولية بما فيها محكمة الجنايات الدولية لن تنصف الشعب الفلسطيني الذي يعاني يومياً بفعل الاحتلال الإسرائيلي، فتلك المؤسسات لا تقف إلى جانب الضحية الضعيفة وإنما تصطف في خندق الجلاد القوي، غير أن التوجه لها وإشغالها باستمرار سيعزز نشر الصورة القبيحة والقذرة لهذا الاحتلال، وسيُحرج المؤسسات الدولية الداعمة والمؤيدة له إلى أبعد الحدود، وهي منازلات ومناوشات يجب أن نواصل القيام بها كفلسطينيين حتى نصل إلى مرحلة القوة التي بواسطتها فقط يمكن أن ننزع الشوك الإسرائيلي المغروس في أجسامنا وحدنا، ووحدنا فقط.

 

إننا وقبل المُطالبة بنقل جرائم الاحتلال الإسرائيلي إلى المؤسسات الدولية “إن كُنا صادقين بالفعل”، فعلينا تأسيس مؤسسات فلسطينية معنية بملاحقته، والسؤال الأهم في هذا السياق: لماذا لم نقم حتى الآن بتأسيس محكمة فلسطينية مهمتها النظر في جرائم الاحتلال الإسرائيلي ومحاكمته؟. أنا لا أهزأ، فهذا الطرح يؤيده ويذهب إليه الكثير من الحقوقيين الفلسطينيين.

 

إن إقامة محكمة بهذا الشكل تمكننا من النظر في قضايا الجرائم اليومية بحق أبناء شعبنا، وليكن إصدار الأحكام على تلك الجرائم غيابياً. دعونا نُصدر الأحكام ونحفظها لوقتها، فالحقوق لا تسقط بالتقادم، وصحيحٌ بأن خطوتنا من هذا القبيل ستكون إعلامية في الوقت الراهن، غير أنها ستنبه العالم بحجم الجرائم التي تجري بحقنا دون أن يسمع بها أحد، بل إننا وبدلاً من التسول على أبواب محكمة الجنايات الدولية لقبول قضية واحدة، يمكن أن نملأ الفضاء الإعلامي العالمي بالحديث عن جرائم الواحدة تلو الأخرى يقترفها العدو الإسرائيلي بحقنا.

 

أليس “جحا أولى بلحم ثوره”، إذاً فلنبدأ الخطوة الأولى على طريق محاكمة الاحتلال بتأسيس محكمة لمحاكمة قادة الاحتلال الإسرائيلي الذين يقترفون تلك الجرائم اليومية بحقنا وبحق معتقلينا داخل سجونهم، وهي جرائم أكثر من حصرها، فبدايتها بالاعتقال الإداري واعتقال الأطفال والنساء، والمعاملة القذرة وغيرها الكثير من الجرائم التي تُقترف بحق الإنسان الفلسطيني.