حوارٌ عابر دار بيني وأحد عناصر الشرطة الفلسطينية المُكلفين بتنظيم البسطات والطرق وإزالة تعديات الباعة المتجولين في قطاع غزة، وحقيقةً فقد بدت مشاعر الألم خلال حديثه المطول معي عن رحلته في هذه الحياة واضحة، فهي معاناة متراكمة وهموم تُلقي بظلالها على كاهله وآلاف عناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية في القطاع المُحاصر منذ عقد من الزمان ويزيد.2
يبدأ منذ ساعات صباح كل يوم مسلسل الصراع الداخلي لذلك الشرطي الذي لم تعترف به السلطة الفلسطينية منذ سنوات طويلة أو تصرف راتبه أسوة بزميله الذي يتقاضى راتبه كاملاً شاملاً لكافة العلاوات بينما هو جالسٌ في بيته بصحبة أبنائه دون القيام بالخدمة المطلوبة لبلده مقابل ذلك الراتب.
إن ارتداء ذلك الشرطي زيه الرسمي وبدء لحظة دوامه تُحتمُ عليه القيام بالمهام الموكلة به في تنظيم البسطات داخل الأسواق، أو مخالفة بعض الذين يتجاوزون الحدود المسموح لهم بها لعرض بضائعهم على أرصفة الطرق، وهي خطوات تجعله عُرضة للشعور بمعاناة أصحاب البسطات الذين يُصادر بضائعهم لتكرار التجاوز من جانبهم، خاصة وأنه ذاته يقع ضمن شريحة الفقراء حيث الراتب الذي يتقاضاه مرةً كل عشرات الأيام لا يتجاوز 40%، وبالتالي فهو الشخص الأقدر على الشعور بمعاناة الفقراء.
الأمر لا يتوقف عند هذه الحالة، بل إن ذلك الشرطي “المحروم من راتبه” يتنازل عن حقه لأبعد الحدود في مواجهة أي اعتداءات لفظية أو إهانات يُطلقها عليه ويصفه بها التجار المتجولين لدى الطلب منهم توفير مساحة كافية لعبور المواطنين وتحركهم على رصيف الطرق “المخصص للسير أصلا وليس للبسطات” أو داخل الأسواق.
يعود ذلك الشرطي إلى بيته وقد أحاطت به الهموم، حيث يبدأ يتذكر أحداث النهار التي جرت معه خلال ساعات الدوام المختلفة، ويبدأ رحلة محاسبة نفسية لنفسه لعله بذلك يُكفر بعض من نتائج إجراءاته التي تضرر منها بعض الباعة المتجولين وأصحاب البسطات المتنقلة.
غير أنه وفور الانتهاء من عتاب نفسه ولومها يقلعُ ذلك الشرطي زيه الرسمي ليبدأ متابعة حياته الشخصية كمواطن مدني عادي، فيطلب من زوجته الاستعداد لمصاحبته في رحلته إلى السوق، ويبدأ يتنقل على أرصفة الطرق وداخل الأسواق فينسى لبعض الوقت أنه شرطي في الأساس، ويبدأ يشكو صعوبة الحركة والتنقل، بل ويكيلُ الاتهامات لغياب دور الأجهزة الأمنية عن التنظيم والترتيب للأسواق والطرق، خاصةً وأن أصحاب البسطات الذين تسمح لهم الأجهزة الأمنية بتجاوز القانون في الكثير من المواقف بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة يتجاوزن المسموح به لأكثر منه أضعافاً مضاعفة، وإذا ما تم إجبارهم على ترتيب بعض البسطات بدأت اسطوانات البكاء والعويل وجلب العواطف إلى جانبهم دون النظر إلى الجهة الأخرى المتضررة من تصرفاتهم وأفعالهم.
هذا الشرطي يسألني: ماذا أفعل تجاه هذه الحالة التي أعيشها؟. حينها أخبرته بأن ما يعيشه من تأنيب الضمير لدى معاقبة أي شخص متجاوز كثيراً لما هو مسموح به أمرٌ ايجابي يجعل ذلك الشرطي دوماً يتحرى العدالة وليس الجور في تطبيق النظام، بل إن مثله نتمنى أن نرى غيره المئات في صفوف الأجهزة الأمنية الفلسطينية، كما أن شعوره بشعور المواطن بعد الانتهاء من ساعات عمله الرسمية تجعله يتعامل مع مشاكل الوضع الفلسطيني بميزان عادل، فلا هو يميل لصالح التاجر “الغلبان” أو المواطن الذي يرغب بتوفير مساحة لحركته داخل الأسواق وفوق أرصفة الشوارع.
إن مثل هذا الشرطي الذي يمتلك ضميراً يتألم لمعاناة أبناء شعبه مواصلة عمله على هذه الشاكلة، فيطبق القانون على المتجاوزين ولكن بدون جور أو شدة نتيجة الظروف الصعبة التي نعيشها، وليكن متيقناً أن النفس البشرية في كافة أرجاء العالم لا تقبل تسجيل مخالفة عليها ولو كانت تعيش في أفضل ظروفها الاقتصادية، وعليه ألا يخشى كثيراً عندما يرفع المخالف صوته بعد تسجيل مخالفة عليه جاءت عقب تكرار للمطالبات له بالالتزام بكل أدب واحترام.
أما المواطن أخي الشرطي الكريم، فمن حقه هو الآخر أن يسير على الرصيف المخصص له، ومكان حركته ليس منتصف الشارع، وبالتالي فيجب العمل لتوفير هذه البيئة الآمنة لحركته، وليكون تطبيق القانون بالمناصفة بين المواطن وصاحب البسطة، أما ترك الحبل على الغارب لصاحب البسطة فهذا أمرٌ لا يقبله عقل أو دين ولا قانون وأخلاق.


