الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 08:01 م

مقالات وآراء

معبر رفح.. وحقيقة المؤامرة

حجم الخط
جمال عدوان

كثيراً ما ينتظر الفلسطينيون بشغف فتح معبر رفح البري, في كل وقت وحين, للتخفيف من حدة الأزمة المتفاقمة في القطاع, بتراكم أعداد المسافرين أصحاب الحاجات الملحة للسفر لأكثر من 25 ألف حالة إنسانية إستثنائية.

 

 حالات لا يغلب الظن فيها أن أكثرها ممن تفشى المرض في أجسادها, وطرق أبوابهم لعنات الأوجاع والآلام بكافة صورها وأشكالها, وطلاب فاتت عليهم مقاعد الدراسة ونفضوا جيوبهم للإلتحاق بجامعاتهم في الخارج, ناهيك عن أصحاب الإقامات المنتهية الذين ترفضهم الدول للعودة لحضن أبنائهم وزوجاتهم, بالإضافة لأصحاب الجنسيات الخارجية الذين أرغمهم حنين الوطن للعودة لإرتشاف جرعة مريرة مع عوائلهم, والحكاية تطول بها السطور للسرد.

 

ليس هناك إختلاف ولا تباين في أن مصر المسئولة عن معاناة المواطنين في غزة, وتكدس الآلاف في سجلات السفر, كما أن هناك إجماع واحد بالقول بأن الإحتلال وحصاره الذي يناهز عامه العاشر المسئول الأكبر عما يحدث من أزمات متلاحقة بالقطاع.

 

لم ولن يستثنى معبر رفح من صراعات الأطراف الفلسطينية التي تتناوب على توجيه أصابع الإتهام بإفشال الحلول, التي من المؤكد أنها حلول ضبابية لن تفي يما يتمناه المواطن من تسهيلات وحرية بات مصيرها مجهول.

 

صراعات متواصلة, دون أي حلول في الأفق, تضمن فتح المعبر بشكل دائم وكامل, ففتح أقصى مُناها تسلم المعبر, في وقت تبدي حماس المرونة الكاملة, أما واقع الحال يبقى المعبر قضية معلقة, وما يدور داخل الدواليب السياسية أعظم وأكبر سوءاً مما يراه المواطن.

 

في فتح المعبر الأخير, كُشفت القضية وبانت ملامحها, وسقط القناع عمن يدعون فوق الطاولة مصلحة المواطن, وتحت الطاولة يدسون المكائد ويضعون الخطط لإظهار أنفسهم مظهر الطاهر النقي, فلم يألوا جهداً أن يفتخروا بجهودهم لفتح المعبر, بعد 100 يوم من الإغلاق.

 

جهود في ظاهرها تخفيف الأزمة التي تتفاقم في غزة, أما في باطنها إلقاء الكرة في ملعب الحاكم في غزة, وإظهاره مظهر السوء أمام المواطن المحاصر المكلوم الذي ينتظر فتاتاً من الفرج, من خلال الإتفاق على فتح المعبر بالشكل المفاجئ الذي أُعلن.

 

إعلان أسقط مصر والمتأمرون في أخطاء واضحة, أولها أن الإعلان تجاوز للبروتوكول المعمول به بين مصر والجانب الفلسطيني على أن يتم الإبلاغ قبل أيام كما المعتاد كي يتسنى تنظيم عملية السفر وتجهيز سجلات المسافرين, دون معوقات.

 

ثانيها, ما ظهر من إرباك واضح في عملية تجيز سجلات السفر وإستدراك وزارة الداخلية بغزة نفسها لوضع الأولوية لأصحاب الحاجات الملحة للسفر, ولكن رغم ذلك طفت المشكلات على الساحة والإحتجاجات وحالة الإستنكار والغضب الشديدين في صفوف المسافرين, جراء قيام مصر بإجبار الجانب الفلسطيني على تسفير أصحاب التنسيقات المصرية الخالصة-الذين دفعوا الأموال الطائلة لجهات فلسطينية مصرية متنفذة-, وإهمال الحالات الإنسانية التي تنتظر دورها.

 

ثالثها, نظام المقايضة الجديد الذي استخدمه مسئولوا التنسيق المصري مع دائرة التنسيق الفلسطيني, بطلبهم حافلات التنسيقات مقابل تسفر فتات الأعداد من الحالات الإنسانية, الأمر الذي خلق حالة من التخوف لدى التنسيق الفلسطيني بتنفيذ الطلب المصري ومن ثم إغلاق المعبر والإكتفاء بحافلات التنسيق, لذلك حدثت الجدالات والمناكفات التي بسببها توقفت عملية السفر لساعات طوال.

 

ومن هنا بدأ استكمال الدور, احتجاجات تدعو لها أطراف مجهولة, ودفع المسافرين للتدافع تجاه بوابات المعبر لخلق حالة من الإحتقان والمشاحنة, يقوم على إثرها المحرضون بتصوير الحدث, وإستغلال بعض المشاهد التي تؤجج حالة الإحتقان والغضب.

 

نشطاء الإعلام ومغردون كانوا جزءاً من الذين استغلتهم أطراف فلسطينية لإستكمال مسلسل الإدانة لمن يدير معبر رفح, وتشويه الصورة الناصعة التي دأب مديرو ملفات المعبر على صناعتها سنوات طوال, في ظل إنعدام الإستحقاقات والإمكانيات, فجهدوا وجاهدوا أنفسهم على إظهار الحالة التي صنعها المتآمرون مسبقاً, (الرشاوى والواسطات وعدم الشفافية والمحسوبية وتقاضي الأموال الطائلة), والمتهم في قفص المؤامرة.

 

السفارة الفلسطينية في مصر كالحاضر الغائبة, لكن قناع صمتها سقط مع حالة المؤامرة القائمة مع الأحداث التي تدور داخل أروقة المعبر, فهم يكتفون بالمشاهدة والإنبهار بالنجاح الذي حققوه في حملة التحريض التي يشرفون عليها مباشرة من القاهرة, والهدف إضعاف الثقة بين حماس والمواطن.

 

رضخت حماس لإملاءات السلطات المصرية وقبلت بنظام المقايضة, حرصاً منها على مصلحة المواطن والتخفيف من أزمة السفر التي تتكدس أمام بوابات المعبر, فقامت بإدخال حافلات التنسيق, والتي قابلها الجانب المصري ببدء تسفير كشوفات سفر اليوم الثاني في ساعات متأخرة من الليل.

 

وهنا اكتملت الحكاية التي حاكها المتآمرون بدقة متناهية, لكن الفصل الأخير منها كان بإعلان الجانب المصري عن بحثه عن أحد الهاربين من باصات الترحيل في المعبر, لتكون ذريعة كي يقرر إعادة العالقين للقاهرة والتهديد بإغلاق المعبر.

 

أُغلق المعبر وانتهى مسلسل الإدانات والإحتجاجات وترك خلفه المنتشون بالنصر الفاضح, الذي أسقط القناع عن كل المتنفذين خلف الكواليس, مناصفة مع جهات مصرية مستفيدة, وترك الباب موارباً للنشطاء كي يطلقوا الحملات المتواصلة, ليضعوا العنوان الأخير للحكاية, بضرورة أن يتم تسليم المعبر للسلطة كي تديره بالشكل الذي تراه مصر مناسباً.

 

نُذكر فقط بالأرقام, حماس فى عام 2013 كانت هي من تسير ‏معبر رفح, حينما تمكن 152278 مسافر من المغادرة, خلال 264 من فتحه, وفي عام 2014 هي من تسير المعبر الذي فُتح 124 يوم وتمكن 52431 مسافر من المغادرة, وفي عام 2015 وبعد المصالحة الورقية التى وعد حينها عزام الأحمد بفتح معبر رفح فى ثاني يوم من التوقيع فتح المعبر ل19 يوم فقط ولم يتجاوز عدد المسافرين 7000 مسافر.

 

وإحصائيات الأعوام السابقة تثبت نجاعة ونجاح حماس الإداري لملف المعابر في القطاع, ولكن حالة الخنق والحصار التي تُمارس حدت من حجم الإنجازات الذي لم يُعجب الأطراف الأخرى التي وُضعت في حرج من عطاءات تخرج من تحت الركام.

 

لن ترفض حماس فتح المعبر مرة أخرى, بهذه الآلية, فالحاجة أشد, وفي ظني أن حماس لا تقف موقف المتفرج أو الحاضر الغائب عن قضة معبر رفح, فهي تعلم أدق التفاصيل وتبذل قصارى الجهد للضغط على مصر وأطراف عربية لتقديم التسهيلات الممكنة, كما أنها لا تزال تُبدي المرونة في ملف تسليم المعابر للسلطة التي بدورها تتهرب من مسؤلياتها تجاه القطاع.

 

ويبقى المعبر الإختبار الصعب أمام كل الأطراف, لأنه يمس حاجة المواطنين الماسة للعلاج والدراسة وقضاء الحوائج والسفر والحرية, دون قيود أو شروط, اختبار يضع الجميع موقف المسئول, لا موقف المتفرج الفاضح فـ"مالكم كيف تحكمون".