انتهت قمة كامب ديفيد التي جمعت أوباما بقادة مجلس التعاون الخليجي ببيان ختامي ربما تضمن إشارات مريحة لأطراف اللقاء، ولكن تبدو هذه الإشارات بالموازنة مع السياسات القائمة وكأنها تكرار لما هو قائم بصياغة جديدة مرضية لدول مجلس التعاون الخليجي في ظل النيران التي تشتعل في المنطقة، وتكاد تحرق أثواب الخليج، أو على الأقل مليارات الخليج .
لقد حصلت دول الخليج على موقف أميركي يدعم ما تم من إجراءات عسكرية لمنع استيلاء الحوثيين على الحكم في اليمن، ولكن مع دعوة أميركية للحل السياسي ، حيث لم يعد للطيران جدوى في القتال الدائر، ومن ثم أيد أوباما مؤتمر الرياض للحوار، وأكد على التزامه بأمن دول الخليج بحسب مواثيق الأمم المتحدة.
ويجدر الالتفات إلى أمرين في هذا السياق كما في البيان الختامي: الأول أن أميركا لا تريد عداوة دائمة مع إيران، وفي هذا اعتراف أميركي صريح بالمصالح الإيرانية وبمقتضيات الاتفاق الأميركي الإيراني. والثاني أن البيان يطلب من دول الخليج أن تعتمد على نفسها في حماية أمنها، من خلال منظومة مشتركة للدفاع الصاروخي لدول المجلس ، من ناحية، ومن خلال اعتماد نموذج عاصفة الحزم التي تقوم على تحالف عربي، وفعل عربي مباشر، يحظى بتنسيق ورعاية أميركية، من ناحية ثانية، وهذا يعني أمرين:
الأول أن إدارة أوباما تعيد صياغة سياستها الأمنية في الخليج، من خلال التخفيف من الأعباء المباشرة بشقيها المالي والعسكري، وتحميل ذلك لدول المنطقة، والانسحاب التدريجي من أعباء السياسات القديمة، وهذا يثير قلق دول مجلس التعاون الخليجي، التي اعتادت على الدور المباشر لأميركا في المنطقة.
والثاني هو فتح باب واسع للتسلح في المنطقة، على نحو ربما يهدف أميركيًّا إلى معالجة الركود الاقتصادي الأميركي في مبيعات السلاح في المنطقة، واستنزاف المنطقة بالصراعات التي ربما تفضي إلى إعادة تقسيم المنطقة، مع توجيه الصراع بعيدا عن دولة الاحتلال الإسرائيلي، بوضع الخطر الإيراني، وخطر الإرهاب الإسلامي في مقدمة أجندة الصراعات ، وهو ترتيب تلتقي فيه أميركا وإسرائيل ودول الخليج، وتلتقي معهم إيران في الخطر الثاني، ومثل هذا الترتيب يقتضي إسرائيليًا إطالة أمد الصراع، وتعميقه، وعرقلة الحلول السياسية الممكنة.
البيان الختامي كرر التأكيد على العناصر الرئيسة في السياسة الأمريكية، كدعم أمن واستقرار دول الخليج، ودعم دول الخليج للحكومة العراقية، ومكافحة الإرهاب في سوريا والعراق وليبيا، وربما شعر الطرف الخليجي بارتياح ما لأن الرئيس الأميركي عاد إلى موقفه القديم بأن بشار الأسد ليس جزءا من الحلّ، ولكن البيان الختامي لا يقدم آلية محددة لترجمة هذا الموقف. وهو موقف فيما أظن فرضته انتصارات المعارضة الأخيرة على الطاولة.
إنه من الآن فصاعدا على دول مجلس التعاون الخليجي القبول بالتفاهمات الإيرانية الأميركية، من ناحية، والاعتماد على نفسها في توفير الأمن والاستقرار لدولها، من ناحية ثانية، والتعامل مع المتغيرات الجديدة على قاعدة التنسيق وتقديم الاستشارة، من ناحية ثالثة، والإقرار بانتهاء المرحلة القديمة وما فيها من عمل أميركي خليجي مباشر، من ناحية رابعة.
البيان جيد في صياغته، ولكن لا يستجيب جيدا لمطالب دول المجلس العاجلة.
