1- مدخل.
هذه هي حلقة رقم (16) من هذه السلسلة. وكنت قلت إنّا برسم التوقف. فليكن. ولن تعيق هذه الحلقة تلك الخطة على كل حال.
وفي هذه الحلقة عرّفت بكتاب من كتب التراث في علم السياسة عمره أكثر من سبعمئة سنة، وقد بدأ التأليف في علم السياسة منذ أكثر من ألف وثلثمئة سنة.. في الوقت الذي كانت أوربا فيه تغرق في وحل التخلف وظلام الجهل.. والبركة في الأنظمة السياسية التي بدلت موقعنا بمواقعهم.
ولا يضير الكتاب أن كاتبه غير معلوم، ونسخته يتيمة فريدة في العراق.
وبعد الكتاب عرجنا على نقطتين موجزتين هما: التبعية السياسية أو قل التدخلات الأجنبية في سياساتنا إملاءً أو إرشاداً. ثم السياسة والعائلات.. فإلى الحلقة.
2- كتاب قانون السياسة ودستور الرياسة.
حققه ودرسه: محمد جاسم الحديثي. ونشرته وزارة الثقافة والإعلام في العراق (أيام عزه) سنة 1987. ويقع الكتاب في 263 صفحة.
يقول المحقق في تقديم الكتاب، ص7: كثيرة هي الكتب التي ألفها العلماء المسلمون في باب الإدارة والسياسة والنصيحة، ويكاد جميعهم يسلك في تأليفها نهجاً واضحاً متبعاً، يأتي المؤلف فيه على الاستشهاد بأقوال الملوك والخلفاء والأمراء والحكماء والأدباء والبلغاء والشعراء.
غير أن مؤلف كتاب قانون السياسة ودستور الرياسة سلك في تأليفه نهجاً مبتدعاً، كما يبين ذلك في مقدمة كتابه، يستميل النفوس إلى مطالعته، ويستجلب القلوب إلى مباحثه.. فجاء موجزاً بطريقة التشجير والجداول.
والكتاب مقدم إلى السلطان شاه شجاع، من الدولة المظفرية، التي حكمت بلاد فارس وكرمان وأذربيجان وأصفهان وشيراز من سنة 718هـ-795هـ وتعاقب عليها سبعة سلاطين. وينتهي نسبهم إلى إحدى القبائل العربية التي نزلت خراسان أثناء الفتح الإسلامي. وكان الأمير محمد بن المظفر يفتخر بنسبه العربي.
حكم السلطان شاه شجاع من سنة 759هـ إلى سنة 786، وقد بايع الخليفة العباسي المعتضد بالله الذي بويع بالخلافة سنة 753هـ.
ويقول المحقق في نهاية تقديمه: والكتاب تصنيف في علمي الأخلاق والسياسة، وهو جدير بالاهتمام والدراسة.
وفي التعريف بالكتاب وكاتبه قال المحقق ص9: لم يحمل الكتاب اسم المؤلف ولا توجد إشارة يمكن الاستدلال بها عليه، ورغم الاستقصاء لم نستطع التوصل إلى معرفته، إلا أنه يمكن التوصل إلى أن له مكانة علمية.
وقد وضع المؤلف كتابه في مقدمة وثلاثة قوانين وخاتمة. يحتوي كل قانون على قاعدتين، وتحتوي كل قاعدة على بحثين، وكل قانون موضوع مستقل بذاته، والكتاب لغته سليمة وجيد السبك. وقد وضع الكتاب بطريقة التشجير والتقييم والجداول بشكل موجز ومختصر.
وقد سبق المؤلف في هذا النهج ابن أبي الربيع في كتابه سلوك المالك في تدبير الممالك، وقدمه إلى المعتصم.. أو المستعصم.
والقانون الأول جعله في تهذيب الأخلاق (لاحظ أن السياسة تقوم على الأخلاق وليس كما نظّر مكيافيلي ألا تقوم على الأخلاق)
وفيه قاعدتان: الأولى: فيما يتعلق بالفضائل (مكارم الأخلاق) وذكر أمهات الفضائل وهي أربع: الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة.
وفي المبحث الثاني تكلم عن حفظ الأخلاق المحمودة، وأتى على ذكر عشرة أمور.
أما في القاعدة الثانية فقد تكلم عن الأمراض النفسية وكيفية معالجتها. والمبحث الثاني في كيفية معالجة الأمراض النفسية.
أما القانون الثاني فجعله في تدبير الأموال. وخص هذا القانون بقاعدتين: الأولى: ذكر فيها الأمور التي تتعلق باكتساب الأموال وحددها بستة أمور. والقاعدة الثانية تكلم فيها عن إنفاق الأموال.
والقانون الثالث جعله لتقويم الرعايا. وفيه قانونان كذلك.. ثم أتى على تقويم الأجناد وتدبيرها في حالة الحرب، وعقد لها عشرة أمور. أما الخاتمة فقد ضمنها المواعظ والنصائح، وطرزها بالأحاديث الشريفة، والأبيات الحكيمة.
ومما ذكر من النصائح: «قابل هواك بعقلك، واستر خلقك بحلمك، تملك من القلوب مودتها، ومن النفوس مساعدتها، واجعل عملك ذخراً لك عند ربك، وسيرتك أثراً مشكوراً بعدك، ليقتدي بك الأخيار، ويتبع أثرك الأبرار، فيبقى في الدنيا جميل ذكرك، ويدخر في الآخرة جزيل أجرك..» إلى آخره.
وذكر المحقق كتباً في السياسة تركها المسلمون، في إدارة شؤون الدولة وحسن تدبير أمورها في السلم والحرب وعلاقة الراعي بالرعية.
وقد اعتبر الماوردي في كتابه «نصيحة الملوك» السياسة صناعة الملك: فعلم الملك حذقه بالسياسة.
وذكر من الكتب الأدب الكبير والصغير لابن المقفع (ت142هـ) وكتاب التاج في أخلاق الملوك للجاحظ نشر سنة 1914 وكتاب السلطان لابن قتيبة الدينوري (ت276هـ) وله: كتاب الإمامة والسياسة. ولؤلؤة السلطان ضمن العقد الفريد لابن عبد ربه (ت328هـ) والوزراء للجهشياري (ت331هـ) والسياسة لابن سينا (ت428هـ) والأحكام السلطانية للماوردي (ت450هـ) وله كتاب قوانين الوزارة وسياسة الملك. والتبر المسبوك في نصيحة الملوك للغزالي (ت505هـ) وسراج الملوك للطرطوشي (ت520هـ) وعشرات سواها فلا نطيل بسردها.. ونكتفي ببعضها.
3- التدخلات الأجنبية الخارجية.
من أسوأ عيوبنا في حياتنا السياسية كثرة التدخل في شأننا السياسي. من القوى المؤثرة في العالم ومن اللاعبين الرئيسيين. ولا داعي لأن نقول إن دولنا في مرحلة كانت تدار من السفير الأجنبي وهي في الظاهر دول كاملة السيادة كاملة الأوصاف وقبضتها على مواطنيها حديد. وأحياناً تتم بطريقة ناعمة خفية إيحائية. وهي في الحالين تدخل وإملاء وإلغاء إرادة الأمة والشعب والوطن.
وأحياناً تأتي التدخلات عن طريق الخطط الاقتصادية والمساعدات. ومن خلالها يتم رسم السياسات والتدخل في الخطاب الإعلامي والسياسي.
واليوم أقرأ أن مستوطناً قتل فاتصل السفير الأمريكي بعباس يطلب منه الشجب والاستنكار، فسارع بما طلب، ولكن لا أحد يشجب قتل قتلانا!
ويوم أن تعطلت لغة المفاوضات (في الظاهر) سارع الممولون في الخارج إلى الإعلان عن توقف الدعم، لأن الدفع ليس لعيونك، ولكن طالما كنت في خدمة إسرائيل. وليس بالضرورة أن التدخل في كل دولنا يصل إلى هذا العمق لكن قل إن جلها يخضع لذاك. وهل تظن أن أمريكا تساعد وتجهز وتنفق مئات الملايين لتحافظ على استقلالنا وتحرس حريتنا وكرامتنا؟ إن هذا منتهى الغفلة والسذاجة. فالدول ليست جمعيات خيرية لإطعام الجياع والفقراء واليتامى والأرامل وتدريب جيوش المقطوعين المعدمين المدقعين. وقد وصل التدخل إلى حد أن يشيروا بأسماء رؤساء الوزارات أو أسماء بعض الوزراء على طريقة (why not mr..?) وأحياناً يكون التدخل بمستشارين، وأحياناً.. وأحياناً.. ولا تنتهي
ولا ننسى أن السفيرة الأمريكية كانت تفاوض مرسي وكأن الانقلابيين من يكلمه. فهم يديرون من أسف دولنا التي رغبت في عجزها واطمأنت إلى هوانها..
4- السياسة والعائلات.
من أعجب أمورنا والعجب عندنا لا ينتهي.. أن العمل في السياسة تحتكره أحياناً كثيرة عائلات، وكأن المسألة دكاكين أو محلات تجارية يتوارثونها.
والسياسة قبل كل شيء ملكات ومواهب.. فإن توفرت في الشخص فلا يحرم من العمل السياسي لأن والده عمل فيه.. هذا ليس عدلاً بالطبع. ولكن أن يعمل في هذا الحقل لمجرد أن والده أو عمه عمل فيه.. فهذا ما لا يتصور.
فليست المواهب السياسية كزرقة العيون تتوارث في بعض العائلات.. وتكون في الجينات..
وليس هذا في بلد عربي دون بلد وربما يكون هذا متجلياً جداً في لبنان أكثر من غيره فعائلة أرسلان وعائلة جنبلاط وعائلة الحسيني وعائلة سلام وفرنجية والأحدب.. الخ. وكل واحدة من هذه العائلات خرجت عدداً من الوزراء أو المسؤولين. وورث وليد إمامة وزعامة الحزب التقدمي الاشتراكي (الدرزي طبعاً وما سبق من أسماء إنما هو تلاوين لخداع البصر!) أقول ورث وليد أباه كمال.. الذي اغتاله الأسد الكبير..


