1- السياسات العامة المقارنة.
هذا عنوان كتاب ألفه ثلاثي من المؤلفين هم: أرنولد هايدنهايمر، وهيو هيكلو، وكارولين آدامز. وتتمة العنوان بعد العنوان الرئيسي الذي عنونا به هو: «سياسات الخيار الاجتماعي في أمريكا وأوربا واليابان» وترجم الكتاب أمل الشرقي (العراق) وراجعه د.فاروق منصور(الأردن) ونشرته باللغة العربية دار الأهلية للنشر والتوزيع عمان الأردن ط1 سنة 1999م. وتمت الترجمة عن الطبعة الثالثة بالإنجليزية. وقد نشر الثلاثي كتابهم في طبعته الأولى سنة 75 وقد واصلوا استطلاعاتهم ومتابعاتهم وضمنوها في الطبعات التالية.
ويقولون في التمهيد ص5: «إن تحليلاتنا قد أصبحت تستند، على نحو متزايد، إلى كم متنام من النظريات والدراسات الأكايديمية السياسية المنهجية التي أخذت تتجه بشكل متزايد نحو المقارنة والصقل كلما راجعنا طبعاتنا. وتكفي نظرة إلى مراجع الطبعة الأولى والطبعة الحالية للبرهنة على ذلك».
يقع الكتاب في 575 صفحة و10 فصول: 1- سياسية الاختيار الاجتماعي. 2-سياسة التعليم. 3- السياسة الصحية. 4- سياسة الإسكان. 5- السياسة الاقتصادية. 6- السياسة الضريبية. 7- سياسة صيانة الدخل. 8- التخطيط المديني. 9- سياسة البيئة. 10- التباينات السياسية في دولة الرفاه.
في الفصل الأول يبتدؤه بقوله: «إن مقارنة السياسات العامة هي جزء من الحياة اليومية. ففي وقت الانتخابات غالباً ما نقارن بين مواقف أحد المرشحين أو الأحزاب من قضايا سياسية معينة وبين مواقف غيره..
ثم يقول: إن هذه المقارنات اليومية للسياسات العامة تشترك بقاسم مشترك معهم مع المحاولات الأكثر منهجية في تحليل السياسة المقارنة.
ثم يسأل ص21: «ما هي السياسة العامة المقارنة؟» ويجيب: «هي دراسة كيف ولماذا ولأي غرض تتبع الحكومات المختلفة مسالك محددة للفعل أو اللافعل».
وتحت عنوان: «السياسة كاختيار» قال ص34: «أن تحكم هو أن تختار» ثم يقول: «علينا أن نفكر بالكثير من ينابيع القرارات وتقاطعاتها التي تتجمع لتصبح عمليات اختيار. إنها اختيارات تتم نيابة عن المجتمع، ليس لأن السياسيين والقادة يعملون، بالضرورة، لصالح المصلحة العامة..» ويضرب مثلاً ص35 بالرعاية الصحية التي كانت تعتبر شأناً ليس له علاقة بالاهتمام الحكومي ارتقت لتصل إلى مستوى السياسة العامة.
وفي سياسية التعليم ص51 يتحدث عن تدخل الدولة الواسع في التعليم. وفي سياسة الإسكان يقول ص157: «إن لبرامج الإسكان تأثيرات بارزة على عافية اقتصاد الأمة، وعلى الأمن المالي للعائلات، وعلى شكل المناطق الحضرية» ويتحدث عن الخصخصة في الإسكان ص195 ويستمر الفصل حتى ص202. وفي السياسية الاقتصادية ص205 يتحدث عن التطور الاقتصادي لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ويقسمه إلى: «فترة إعادة الإعمار في الخمسينيات والستينيات، وفي السبعينيات بدأت المرحلة الثانية التي اتسمت بالتقلبات الاقتصادية الأكثر حدة واضطراباً في اقتصاد عالمي يزداد باستمرار اعتماد بعضه على البعض الآخر»
ثم يتكلم عن ضغوط التضخم، والعجز في ميزان المدفوعات بين الولايات المتحدة واليابان وألمانيا الغربية.
وفي ص227 يتحدث عن حكومة فرانسوا ميتران الاشتراكية وتطبيقها برنامجاً ضخماً للتأميم لإرضاء اليسار في فترة الثمانينيات، فقد أصبحت الحكومة الفرنسية مسؤولة عن ثلث المبيعات و60% من مجموع الاستثمارات. ثم يتحدث عن تراجع هذه السياسة لتزايد العجز.. ويستمر الفصل هذا حتى ص372.
ثم في الفصل السادس يتحدث عن السياسة الضريبية ويفتتحه بقوله: «إن سلطة الحكومة على فرض الضرائب تحدد إلى درجة كبيرة مدى نشاطات البلد في المجالات السياسية المحلية الأخرى. ثم يقول إن دخل الحكومات إما من الضرائب أو الاستدانة..»
وفي الفصل السابع بعنوان سياسة صيانة الدخل قال ص329: «بدلاً من تأميم الدولة لوسائل الإنتاج، سار التوجه نحو تأميم وسائل الاستهلاك. بمعنى أن سياسات الحكومة أصبحت قوة رئيسة في توزيع الدخل بين المواطنين».
والفصل الثامن عنوانه: التخطيط المديني ويبتدئ من ص 397-452 ويسأل فيه: «كم حجم المسؤولية التي يجب على الحكومة أن تضطلع بها تجاه التطور المادي للمدن؟»
وفي الفصل التاسع: سياسة البيئة ويبتدئه ص455 بقوله: «الاهتمام بتلوث البيئة هو الاهتمام الأكثر حداثة بين جميع اهتمامات الحكومات..»
والفصل العاشر: التباينات السياسية في دولة الرفاه، ويضرب المثل بالإنفاق على البحث العلمي في أمريكا زمن بوش 88 فقد كان الإنفاق على البحوث والتطوير 1.8% وكانت ألمانيا واليابان تزيد على ذلك وينقل عن نيويورك تايمز قولها منتقدة: «لماذا تظل سياسة البحث في هذا البلد غير متماسكة، في الوقت الذي تستهدف فيه اليابان الصناعات المتطورة تقنياً واحدة بعد أخرى وتنتزع التفوق من المنافسين الأمريكيين؟»
وفي النهاية أرجو بهذا الإيجاز الشديد أن أكون أعطيت فكرة ما عن هذا الكتاب الضخم والقيم والمتنوع..
2- الانتخابات وقوانينها- تتمة الحديث.
تكلمنا في الحلقة السابقة عن الانتخابات وقوانينها، ولكن الحديث لم ينته، ونواصل في هذه الحلقة تتمة الحديث.
وفي العالم تسن القوانين لتنظيم الأمور وتسهيل التعامل وتيسير حياة الناس.. وفي العالم المتخلف تسن القوانين لخدمة واقع معين وتعطيل الأمور وتضييق سبل الناس..
وفي العالم العربي الطارئ على الديموقراطية والعملية برمتها والانتخابات فإنه كانت تفصّل فيه القوانين بما يكرس بقاء الواقع ودوام الحال على ما هو عليه. فبلد يحرم اشتراك المرأة في التصويت فلا تنتخب ولا تنتخَب.. وبلد سن قوانين تشرك المرأة في العملية الانتخابية فإذا تبين أنها خدمت جهة لا يحبذون اشتراكها ربما يغيرون القانون. وفي بلد عربي سن قانون إشراك المرأة في الانتخابات ظناً أن المرأة بعيدة عن تأييد الإسلاميين لمواقفهم من المرأة أو لأي اعتبار، فكانت المفاجأة أن نصيب التأييد الأكبر لهم كان من المرأة.. فقال الذي اقترح القانون وصاغه: «ما ندمت في حياتي على أمر أو قانون سن أو اقترحته كما ندمت على إشراك المرأة في العملية الانتخابية..»
وإذا كان قانون الانتخاب وفق قائمة يخدم اتجاهاً معيناً فليلغ إذاً قانون القائمة وليسن قانون لا يخدم هذه المجموعة أو هذا الاتجاه.. ولو صرخت الناس كلها مطالبة بتغيير القانون ما سمع لهم صوت.. وصدق في كتابه من سمى المسألة برمتها إذ جعل عنوان كتابه: «ترزية القوانين» والترزي باللهجة المصرية خياط الملابس. فالقوانين تفصل على مقاس الأنظمة، ومصالحها وما يخدم الطبقة المستفيدة، أو المجموعة المنتفعة المحيطة بالنظام. وفي الدول العربية الاشتراكية كما تزعم، فصلت قوانين تعطي العمال والفلاحين نصف مقاعد مجالس النواب، وهم، مع التقدير بالطبع، الفئة الأقل معاناة في مسائل السياسة المحلية أو العالمية، وسن القوانين، والتخطيط، والنقد، والرقابة.
فلم تكن القوانين التي نصّفت المجالس تفكر في احترام وتقدير العمال والفلاحين بقدر ما كانت تهدف إلى ضمان الغلبة والتفوق والنسب العالية حتى لو لم يتم التزوير، وهو أي إلغاء التزوير غير وارد في العالم العربي.. أصلاً وبالأساس أصبحت القوانين الانتخابية أسوأ ما في القوانين في الدول العربية، لأنها مفصلة على مقاس الحزب أو الفئة أو المجموعة المتنفذة ولحرمان الكتل الكبيرة ذات التأثير.
وعندما سن في مصر قانون منع الأحزاب الدينية، وكذا في بقية البلدان العربية، هل كانوا يريدون حرب الطائفية، وكانوا يحرصون على الوحدة الوطنية؟
أبداً على الإطلاق، إنما كان القصد التضييق على كتلة معينة هي الكتلة الكبيرة المنظمة والقوية وذات التأثير في البلدان العربية. ثم أليست الليبرالية ديناً من الأديان؟ بلى. أوليست الشيوعية ديناً من الأديان؟ وبلى أيضاً. إن الدين هو المنهج المتبع، ومن هنا قال الله للكافرين موجهاً نبيه الأمين: «لكم دينكم ولي دين» فاعتبر عبادة الأصنام ديناً. واليوم كل هذه المذاهب أديان ومناهج متعبد بها الناس وينظمون على أساسها حياتهم، كما ينظم المسلم حياته على منهج ربه. فلماذا يسمح لكل الأديان والملل والمناهج ولا يسمح لمنهج رب السماء؟
ولا يخدعنك! إنها الحرب على دين الله تتلبس بملابس مموهة من الحرص على ألا يزج بالدين في دهاليز السياسة كما قال بشار.. وغيره..
والدافع الحقيقي والواقعي إقصاء الدين الإلهي عن الحياة وتسييد الأديان البشرية الفاسدة على حياة الناس وكله باسم القانون.. والحديث ذو شجون!


