الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 08:13 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

الأمة بين الواقع الرديء والمستقبل الوضيء/12

حجم الخط
د.أحمد نوفل

1- مدخل: ردع الديموقراطية.

هذا عنوان كتاب لعالم اللغويات الأمريكي المشهور نعوم تشومسكي. ترجمه إلى العربية فاضل جتكر. ونشرته مؤسسة عيبال/ قبرص ط1 سنة 1992م ويقع الكتاب في 400 صفحة واثني عشر فصلاً ومن فصوله: الحرب الباردة بين الواقع والخيال، النظام الكوني الشامل، حقبة ما بعد الحرب الباردة، تدهور النموذج الديموقراطي، الإكراه بديلاً عن الإقناع.. الخ.

وفي التعريف بالكتاب والكاتب على الغلاف قال الناشر: "ربما يمثل تشومسكي أحد الأسماء القليلة في عالمنا المعاصر التي لا تفصل بين دور المثقف ورسالته الأخلاقية، فبعد أن أصبح علماً بارزاً في حقل الدراسات اللغوية أعطى حيزاً واسعاً من جهده لفضح الممارسات الإرهابية للبيت الأبيض، فكتب الإرهاب الأمريكي، الاقتصاد السياسي للقمع.. الخ. كما ألقى الضوء على حقيقة السياسة الصهيونية، ومن دراساته في هذا: "الحرب والسلام في الشرق الأوسط" وفي هذا الكتاب يبين معنى الديموقراطية الأمريكية التي هي نقيض لكل قيمة إنسانية.." الخ.

 

وفي مقدمة المترجم للكتاب قال: "لم ينته التاريخ، ما حصل هو أن الحركة تسارعت واندفعت بزخم يكاد يصل حد الجنون نحو اتجاهات بالغة الخطورة."

 

وفي هذا الكتاب الرائع بقوته، يتناول أحد أبلغ المعلقين على الأحداث السياسية العالمية وأكثرهم نفاذ بصيرة الخضّات الدولية الأخيرة مركّزاً اهتمامه بشكل خاص على سياسات الولايات المتحدة، ويلمح الكتاب إلى إمكانية وقوع عواقب كارثية جراء الاختلال في التوازن بين القوة الاقتصادية والجبروت العسكري.."الخ.

 

وفي التعريف بالكاتب قال: أستاذ اللسانيات في جامعة M.I.Tبمدينة بوسطن كتب عدداً من الكتب منها: "المثلث المصيري"، "قراصنة وأباطرة"، "صناعة الإذعان"..الخ.

 

ونقل قول "الغارديان" عن الكتاب والكاتب: "تخترق رسالة تشومسكي التي لا تعرف اللين قلب المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة"

 

وقول الأوبزرفر "يبين تشومسكي بدقة بالغة مدى عمق الهوة الفاصلة بين وقائع عالم اليوم وبين الصورة التي تقدمها عنه وسائل الإعلام للجمهور في الولايات المتحدة. إنه كتاب موجع وباعث على القلق، كتاب ذو أهمية فائقة"

 

وفي مقدمة الكاتب قال: "لا يأتي التاريخ مفصّلاً تفصيلاً واضحاً إلى مراحل متمايزة. إن واحدة من هذه المراحل بدأت مع الحرب العالمية الثانية. إنها الحقبة الجديدة التي "باتت فيها الولايات المتحدة القوة المهيمنة في مجمل النظام العالمي" كما يقول هنتنغتون. وهذه الحقبة بدت موشكة على نهايتها في السبعينيات حين تحولت حال العالم الرأسمالي إلى بنى ثلاثية الأقطاب: الولايات المتحدة، وأوربا واليابان. أما الاتحاد السوفياتي فإن البناء العسكري انفضح انفضاحاً دراماتيكياً خلال أزمة الصواريخ الكوبية، وقدرة موسكو ظلت تتراجع وتنحدر عن الأوج الذي بلغته في الخمسينيات"

 

وفي الفصل الأول عن الحرب الباردة يقول: "إن تصور وجود خطر سوفيتي كان تصوراً مبالغاً فيه" لكن الحرب الباردة كما يقول في الفصل الثالث ص93: "أدت وظائف بالغة الأهمية لمن يديرون دفة الدولة"

 

وفي الفصل السادس ص 179-213 تحت عنوان "عدوان شنيع" يتحدث عن حرب سنة 90 وفي ص210 يحاول أن يلخص سبب عدوان أمريكا على العراق إذ يقول: "إن الاحتفاظ باحتلال الكويت سيحول العراق إلى أحد أكبر اللاعبين على المسرح العالمي.." يعني ليس الحرص على الكويت.

 

وشعرت أنه في فصول كثيرة من الكتاب يلتقي مع محور كتاب: "مذكرات قاتل اقتصادي" فيتحدث في الفصل العاشر ص300 عن غزو "نيكاراغوا" وكذا في الفصل السابق له (التاسع ص281) وفي الفصل الحادي عشر ص328-347 يقول ص329: "يشكل تفضيل الأشكال الديمقراطية في الدول العميلة من دول العالم الثالث، مسألة علاقات عامة، إلى حد كبير.." يقصد كلام دعاية!

وفي الفصل الثاني عشر والأخير وعنوانه: "الإكراه بديلاً عن الإقناع" قال ص349: "تُلقي مصائر الحركات الشعبية في العقد الماضي ضوءاً ساطعاً على الوجه الأقسى والأشد ظلمة وسواداً للحقيقة. ففي البلدان الدائرة في الفلك السوفيتي ظل الحكام يحكمون بالقوة بدلاً من الرأي. وحين سحبت القوة انهارت النظم الاستبدادية الهشة بسرعة.."

 

وفي ص351 يقارن بين الدول الدائرة في الفلك السوفياتي ونظيرتها الدائرة في فلك الولايات المتحدة "حيث كانت نزعات التدخل واستخدام أدوات أجهزة الدولة البوليسية النموذجية سمات تقليدية ثابتة لتصرفات واشنطن" (يعني كله زي بعضه)!

 

وأنقل من ختام الكتاب عبارة ص399: "حين ننكر وجود غريزة حب الحرية لن نفعل أكثر من تقديم البرهان على أن البشر ليسوا إلا مخلوقات مدجنة هالكة، حلقة أخيرة ميتة في سلسلة تطورية.."

 

وأرجو أن أكون لا أقول عرّفت بالكتاب ولكن أشرت إليه لتطلع عليه أيها القارئ! ونواصل مقالنا..

2- الأحزاب بين الدين والعلمنة.

سمعة الأحزاب في دنيا الأعراب كالتراب. لا تذكر إلا مشفوعة بالسباب. وقد يستحضر من عنده بعض ثقافة دينية، آية من الكتاب: "كل حزب بما لديهم فرحون" المؤمنون والروم أو يستحضر ما يروى حديثاً: "وتفترق أمتي".

 

أما آيات الكتاب فقد وردت كلمة حزب 7 مرات ست منها في موضع الذم وآخرها وروداً: "أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون" المجادلة.

 

وأما كلمة "الأحزاب" بالجمع فقد وردت 11 مرة كلها جاءت في موضع الذم. وأما حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، فيحتاج إلى تدقيق وتحقيق في السند، وليس الوقت يتسع له ونترك هذا لرجال الاختصاص ولكن المتن يحتاج إلى توقف طويل.

فما معنى أن يفترق اليهود على إحدى وسبعين والنصارى على ثنتين وسبعين وأمة الإسلام على ثلاث وسبعين؟ فما الذي رتبها بهذه المتوالية؟ وهل نحن أسوأ من باقي الأمم؟

 

ثم إن هذا الحديث تمسك به كل فرق الغلو مدعين أنهم هم دون سواهم الفرقة الناجية. حتى قال بعضهم: رجال الحديث هم الفرقة الناجية!

 

على كل حال نعود إلى سياق حديثنا. فلم اكتسبت الأحزاب في العالم العربي هذه السمعة السيئة؟ أولاً: كثير من هذه الأحزاب أنشئت إما على عين المستعمر ورعايته، وإما على عين الأنظمة وتعهدها. وثانياً: كثير منها لم يكن مبدئياً وإنما كان انتهازياً يبحث عن منافع ومكاسب وحصاد وفير ومنصب كبير.. وبعضهم حصّله وبعض ينتظر.

 

على أن العيب ليس في مبدأ وجود أحزاب أو حياة حزبية ولكن العيب في الانتهازية أو الشراء أو التعصب أو التحزب المؤدي إلى الاحتراب والتمزق، فالغرب تقوم حياتهم السياسية على تنافس الأحزاب. فأمريكا مثلاً تتداول السلطة فيها بين حزبين رئيسين هما: الجمهوريون والديمقراطيون. وإسرائيل التي تعربد في المنطقة على كل دول المنطقة وتهيمن عليها تقوم الحياة السياسية فيها على تنظيم الأحزاب، لكنها في وقت الأزمات تتوحد في حكومة وحدة وطنية.

 

فالعالم يعيش حياة سياسية حقيقية ونحن نعيش في ديكور حياة سياسية كالمدن في أفلام السينما، إنها مجرد ديكور وكذا انتخاباتنا وهيئاتنا ومؤسساتنا وأحزابنا وحياتنا السياسية كله ديكور في فيلم سينمائي.

 

· خطر الأحزاب الدينية.

جلّ الدول العربية أو كلها سنت قوانين تحظر إنشاء الأحزاب على أسس دينية. وهي تزعم أنها لا تحارب الدين، ولكنها تجله عن أن يكون محلاً للمهاترات والنزاعات الحزبية.. وهو كلام مردود. فهل يسمح أن تكون القومية أساساً للأحزاب وأن تكون القومية محلاً للمهاترة والمزايدة ولماذا تسمح أوربا بالأحزاب الدينية؟ فهل أنتم أكثر علمنة منها؟ أم أنتم أكثر احتراماً للدين؟ أم أنتم أكثر ليبرالية من ألمانيا التي حكمها الحزب المسيحي الديمقراطي من بعد الحرب العالمية الثانية إلى الآن، إلا قليلاً من الوقت كان غيرهم يفوز.. كميركل أخيراً.

 

وبعد أن كتبت هذه الكلمات سمعت خطاباً مطولاً للمرشح رقم 7 للرئاسة في سوريا الرئيس الدكتور ابن الرئيس حافظ: السيد بشار الأسد. فقال مما قال وأطال وصال وجال وقال: الدين قداسة (والسياسة نجاسة) ولفظه والسياسة انتهازية (يعني كسياسته). والإسلام السياسي –بتعبيره- استغلال للدين.. وتشويه له. وقال: الدين عموم ومطلقات والسياسة اجتهاد للمستجدات، بمعنى كلامه بالطبع.. وكل كلامه تبرير لما يمارسونه من حرب الإسلام. وأبلغ رد على هؤلاء وأولئك دولة إسرائيل وهي دولة قامت على رؤى دينية وأحزاب دينية، والحاخام يتدخل في كل شيء! ولماذا الدولة التي تحميه وتموله وتخطط له دولة دينية بالمفهوم الطائفي لا بالمفهوم الديني، ويقودها معممون (من العمى والعمائم) فلماذا حلال لهم حرام على غيرهم؟ ولماذا هم أنقياء من الانتهازية والاستغلال وغيرهم متهم؟ ولماذا دولة إسرائيل دولة يشكل الدين (على باطله) منطلقهم وأساسهم ومحدد سياساتهم وجامع شعبهم وقاسمهم المشترك..؟

 

فمحاربة الأحزاب الإسلامية أو الأحزاب على أسس دينية بمصطلحهم ما هي في الحقيقة إلا مواراة وتمويه وإخفاء لحقيقة حربهم على الإسلام، ومصر أعظم تجل لهذه الظاهرة.

والحديث موصول.