الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 06:38 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

الأمة بين الواقع الرديء والمستقبل الوضيء 10

حجم الخط
د.أحمد نوفل

1- مدخل.

ها هي حلقات هذا الموضوع تتطاول وتمتد من حيث لا نحتسب. فقد اجتهدت أن أعرّف في كل حلقة بكتاب أو كتابين من الكتب المتحدثة في السياسة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وفي هذه الحلقة أعرّف بكتابين أولهما عرض موجز لكتاب لكاتب أردني هو الدكتور فايز صالح أبو جابر وكتابه الفكر السياسي الحديث. والثاني لكاتب برازيلي هو باولو فرايري وكتابه "تعليم المقهورين"، الذي يقول الأمريكي "ريتشارد شول" في تقديم ترجمته إلى الإنجليزية يقول عنه: "انطلق فكر المعلم فرايري خلال سنوات قليلة من شمال شرق البرازيل ليعم قارة بأسرها محدثاً فيها أعمق التأثير، ليس في مجال التعليم وحده، بل في مجال التقدم الوطني.."

وقد جاءت هذه المقدمة للترجمة الإنجليزية في سبع صفحات ومقدمة المترجم العربي في ست صفحات. فإلى تعريف موجز جداً بالكتابين.

 

2- الفكر السياسي الحديث.

هذا كتاب من تأليف الدكتور فايز صالح أبو جابر ونشرته دار الجيل بيروت ومكتبة المحتسب عمان بتاريخ 1405هــ/1985م ويقع الكتاب في (270) صفحة، وسمي الكاتب الفصول أجزاء فقسم كتابه إلى تسعة أجزاء: الجزء الأول: الإرث الفكري قبل العصر الحديث من ص17-38 وقبله مدخل الفكر السياسي واستغرق قرابة 15 صفحة وملأه الكاتب بالأسماء والتواريخ ولم يرجع لمرجع ربما معتقداً أن المدخل لا داعي لذكر مراجع المعلومات فيه وليس صحيحاً بالطبع.. فأي كلمة بلا مرجعها إنشاء!

والجزء الثاني بتعبيره: ظهور الدولية والوطنية والاقتصاد الحديث: من ص39-47 والجزء الثالث: الليبرالية الحديثة من ص54-66. والرابع: فلاسفة العصر الحديث الأول من ص67-96. والخامس: الردة ضد العقلانية ص97-128. والسادس: الردة عن الليبرالية ص129-155. والسابع: الفكر التطوري والرجعية 156-188. والثامن: انتقاد الداروينية الاجتماعية ورأس المال وظمور الاشتراكية الحديثة ص189-249. والتاسع: الخاتمة ص250-261.

 

وفي التعريف بنفسه قال إنه درس المراحل الجامعية كلها حتى الدكتوراة في جامعة سيراكيوز (نيويورك) والثلاث مراحل في العلوم السياسية. وله 3 كتب باللغة الإنجليزية وهو أستاذ شرف جامعة ولاية نيويورك بأمريكا.

 

3- التعريف بكتاب "تعليم المقهورين"

في مقدمة المترجم يوسف نور عوض لكتاب "تعليم المقهورين" لباولو فرايري، قال عن الكتاب: إنه يقدم نظرية جديدة في أساليب التعليم. ورأيت فيه كتاباً يحدد المعالم الرئيسية في فلسفة الثورة، وهنا أجدني بحاجة كي أقف قليلاً عند كلمة الثورة هذه لأنها تثير حساسيات بالغة في العالم العربي، فالثورة في هذا العالم ارتبطت بالفوضى وقلب أنظمة الحكم، وسيطرة الصفوة على مقاليد الأمور، بل أصبحت حكراً على اليسار برغم أنه يمارس في كثير من الأحيان أبشع ألوان التسلط والقهر.

 

ولكن أي ثورة أعني؟ إنها الثورة التي تستهدف تحرير الإنسان وتوجيه طاقاته نحو تغيير العالم الذي يعيش فيه، وهي بهذا المفهوم أقرب إلى ذلك العمل الجبار الذي قام به أسلافنا انظلاقاً من مبادئ الإسلام وامتلكوا به العالم وغيروا وجه الحضارة في ذلك الزمان، ونحن إذا قرأنا كتاب "باولو فرايري" أدركنا أنه يبني وعيه بمفهوم الثورة على أمور من صميم تراثنا، ولا ينال ذلك من مجهود فرايري فقد ذكرنا بوعينا القديم وجعلنا نعرف حقيقة العالم الذي نعيش فيه"

 

لقد تحدث فرايري عن الثورة كعمل يمارسه المقهورون من أجل تجاوز ظروف القهر واكتساب حريتهم، وهم في هذه الممارسة يواجهون القاهرين الذين لا يريدون لهم أن يتحرروا بل يريدون لهم أن يستبطنوا ظروف القهر ويعتبروها قدراً لا يمكن رده، ويرى فرايري أن الثورة بهذا المفهوم ليست منحة يقدمها القادة للأفراد، ذلك أن الأفراد إن لم يبدأوا تحرير أنفسهم بأنفسهم في عمل تضامني فلن يمكن للقيادة أن تحررهم.

 

ويتحدث عن دور القيادة الثورية في توجيه الجماهير للإحساس بظروف القهر، غير أن القيادة التي تحاول أن تفرض رؤيتها وفكرها على الناس دون أن تشاركهم فكرهم محكوم عليها بالفشل.. لأنها بديل متسلط يحل محل القاهرين. تلك هي الفكرة الرئيسة في الكتاب. غير أن روعة الكتاب تتجلى في نقده لمفهوم "التعليم البنكي"، وهو التعليم الذي نمارسه في مدارسنا وفي جامعاتنا ولا نستهدف منه سوى السيطرة على عقول الطلاب بجعلها بنوكاً نخزن فيها ودائعنا المعرفية من أجل استلابهم.

 

ثم ينتقل المترجم إلى الواقع في العالم العربي فيقول (قبل 35 سنة من الآن): "ما يحدث عندنا الآن أن جماعة من المتسلطين يخرجون بقوة السلاح، يسيطرون على السلطة ويعلنون مبادئ كبرى وتمضي السنوات فلا يتحقق شيء من التقدم ولا تتحقق حرية الإنسان، وبمجرد أن يواجه مثل هذا التحدي الجماهير وتبدأ في الإعلان عن صوتها تواجه بالعنف أو تزوّر إرادتها.. ثم يشير إلى أهمية منهج الحوار ويقول عنه إنه منهج الإسلام الحق. ويشير إلى التغيير الذي أحدثه الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول: "لقد تم ذلك العمل الرائع بمنهج التعليم الحواري الذي حفل به القرآن، فمنذ اللحظة الأولى لدعوة الإسلام ركز القرآن على أن يجعل المسلمين يتفكرون في الكون ويتدبرون واقعهم وذلك ما ولد في المسلم قناعته بتحرير نفسه والانطلاق إلى تغيير العالم. وفي اللحظة التي توقف فيها المسلمون عن الحوار وحكموا السيف بذرت بذور النهاية لتلك الدفعة القوية التي تمت في عصر الراشدين.."

ونكتفي بهذا القدر من مقدمة المترجم للكتاب سنة 1979م معرّفة بالكتاب مشجعة على قراءته.

 

4- في أهمية القيادة.

في أهمية القادة والسادة والساسة ومتولي الأمور وضرورة أن يكونوا عقلاء حكماء رشداء صلحاء، قال الشاعر الجاهلي "الأفوه الأودي"، وكان كما تقول الكتب أحد فحول شعراء الجاهلية وحكمائها وساداتها وفرسانها يقول:

البيت لا يبتني إلا له عمد

ولا عماد إذا لم تُرس أوتاد

فإن تجمع أوتاد وأعمدة

وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا

لا يصلح الناس فوضى لا سَراة لهم

ولا سراة إذا جهالهم سادوا

تُهدى الأمور بأهل الرأي ما صلَحت

فإن ولت فبالأشرار تنقاد

إذا تولى سراةُ الناس أمرَهُمُ

نما على ذاك أمر القوم وازدادوا

 

فأنت ترى إدراك هذه الحقيقة حتى على لسان شاعر جاهلي في زمن أمي ومع هذا يتحدث عن مواصفات القيادة وأنه لا يصلح أمر الجماعة إلا بقيادة.. وقيادة تحوز

 

مواصفات ومواهب وأخلاقاً عالية. هذا قبل أكثر من ألف وخمسمئة سنة. وبالمناسبة ينسب إلى الفاروق قوله: لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمام.

 

5- رجال السياسة والثقة.

هل يختار رجال السياسة على الموهبة والكفاءة والقدرة والخبرة والتأهيل والذكاء وبعد النظر والمرونة ورجاحة العقل وسلامة الخلق وسلامة الخلق وحسن السيرة والسريرة أم يختارون على الثقة والمعرفة والصداقة والعلاقات الشخصية والمطواعية والمزاجية والمصلحة والقرابة والاعتبارات غير المبدئية؟

 

هذا سؤال فيما أرى ينبني عليه حاضر ومستقبل العمل السياسي. فكم من مستشار زين غير الواقع وزين الانحدار، وكم من مستشار خان الأمانة وغش الأمة.

 

ولماذا قص علينا القرآن قصة يوسف؟ لحكم عظيمة بالطبع، ومن بينها بيان أهمية دور القائد في الأمة، وتصور سفينة مصر في سنوات الجدب والقحط السبع العجاف، تصورها بلا الربان الكفء الرسول الكريم يوسف! ماذا كان يمكن أن يحدث للمجتمع؟ واقرأ إن شئت عن ثورة الجياع في مصر في كتاب النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة لابن تغري بردي!

السياسة فريق كفريق الكرة يعمل في تناغم مع ذاته وفي تواؤم مع مصالح الأمة والأوطان لا مصالح الأشخاص..

 

أقول: عود إلى قصة يوسف عندما قدم مؤهلاته بين يدي الملك لما قال الملك: "إنك اليوم لدينا مكين أمين" "قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم" والحفظ يشير إلى الكفاءة الأخلاقية والعلم يشير إلى الكفاءة والقدرة المهنية والتأهيلية والمكتسبة بالخبرة والدربة وبالموهبة قبلها بالطبع!

والحديث يبدو أنه ذو شجون وشؤون!