الأحد 04 يناير 2026 الساعة 01:09 م

مقالات وآراء

السياحة والعنف لا يلتقيان

حجم الخط
د.عصاور شاور

بعد شهر واحد فقط على زيارة وزيرة السياحة والآثار في حكومة رام الله رولا معايعة, لمحافظة طولكرم وإعلان المحافظة منطقة سياحية للأعوام 2014_2015, تعرضت عائلة من مدينة بيت لحم _كانت في زيارة لأشهر معلم سياحي في طولكرم_ للضرب المبرح من قبل حراس " المعلم السياحي", بعد أن حاولت العائلة نقل طفلتهم المصابة إصابة خفيفة إلى المشفى وعدم الاكتفاء بالإسعاف الأولي الذي حاول الحراس أو الموظفون تقديمه لها (حسب ما نشرته وسائل إعلام فلسطينية).

 

الأطفال والكبار يتعرضون لإصابات وحوادث في كل مكان ومنها أماكن التسلية والترفيه، وتلك الحوادث لا تسيء ولا تلحق الأذى بسمعة المكان وأصحابه إلا إذا تكررت بشكل غير طبيعي، والأصل أن نهتم بحياة وصحة المواطن قبل الاهتمام بأي شيء آخر،أما الإهمال أو الطبطبة فلا تجوز بأي حال.

 

القضية التي نحن بصددها _وهي بكل تأكيد لا تعبر عن محافظة أو مدينة طولكرم وأهلها الكرام_ تذكرنا بالمثل القائل: "إجا يكحلها عماها"، والأفراد الذين اعتدوا على العائلة من بيت لحم أساؤوا إساءة بالغة لأنفسهم وللمؤسسة التي يعملون فيها..

 

ولو تركوا الأسرة تأخذ الطفلة إلى المشفى لما سمع أحد بالقصة ولما اجتمعت وزيرة السياحة مرة أخرى مع مسؤولين عن المؤسسة المشار إليها ومع المعتدى عليهم.

 

من الصعب أن تحاسب إنسانًا لا يحترم ضيفه, ولكن لا يمكن السكوت على إنسان لا يحترم القانون، وليس من حق أحد الاعتداء على الآخرين ما لم يكن دفاعًا مبررًا عن النفس. العنف بكافة أشكاله غير مقبول على الإطلاق بين أفراد المجتمع وأبناء الوطن الواحد، ولكن يختلف تفهمنا للعنف في الشارع عنه في المدارس مثلاً أو في مؤسسات تهدف إلى جذب السياح والأرباح، فالأصل أن تختلف ثقافة موظفي السياحة عن ثقافة غيرهم ممن لم يهتدوا بعد إلى طريقة جيدة للتعامل مع الآخرين.

 

ختامًا, فإننا نؤكد أن ظاهرة العنف في المجتمع الفلسطيني في تصاعد مستمر سواء على مستوى عراك طلاب المدارس اليومي أو ما نسمع عنه من جرائم قتل, ولا بد للجهات المسؤولة من الشروع في وضع حد لتلك الظاهرة الخطيرة، ولو سألنا عن الحل لقالوا: .. التربية تبدأ من البيت, ثم المدرسة، و .. و .. إلخ، ولكن لو سألنا: متى وكيف تبدأ؟ فلن نجد أي جواب.

ضلال الحواس واللغة والثقافة

 

خالص

كثير يظنون أن إدراكنا للعالم سليم، فنحن نرى السيارات أمامنا فلا نتصادم وهذا الكلام نصفه صحيح.

نحن ندرك العالم بخمسة منافذ: تهييج الوعي، واستيعاب الحواس، وعمل الفكر، وتخزين الذاكرة، واللغة التي بها نتخاطب، ولكن الحواس مضللة، واللغة مشوشة غير دقيقة، والفكر ملوث بالعادات الخاطئة.

 

كما أن نقل اللغة يتم بثلاثة فلاتر مشوشة بدورها فتزداد اللخبطة. بين (النطق) و(السيمياء) و(الكتابة) مثل نسخة الكوبي، عن الكوبي، عن الكوبي؛ فيصل باهتاً مشوشاً.

 

نحن إذاً نعيش في ظلمات بعضها فوق بعض، ويظن البعض أنهم أمسكوا بالحقيقة النهائية. كذلك فإن الفيزياء الحديثة تدخلنا إلى عالم كمومي، تنتهي فيه الفيزياء التقليدية، وتتحطم عند عتبتها (الحتمية) وتنهار (الموضوعية) بغير أمل.

 

إدراكنا للعالم إذن مشوش ثلاث مرات عن طريق الحواس واللغة والثقافة. فأما الحواس فهي بدورها مشوشة ثلاث مرات: العتبة والفرق والطيف. وأما اللغة فهي مضللة بثلاث: التعميم والحذف والتشويه. وأما الثقافة فهي تخلق الأوهام بقوى عاتية أربع كما يقول بيكون: أوهام القبيلة وأوهام السوق وأوهام المسرح وأوهام الكهف. فأما الحواس فهي الفلتر الأول وهو غير نقي. فإذا أمسكنا بأنبوب يمر فيه ماء بارد شعرنا بالبرودة. وإذا قبضنا على أنبوب يمر فيه ماء دافئ شعرنا بالسخونة. ولكننا إذا مسكنا الأنبوبين معاً أحسسنا بسخونة شديدة نفضنا يدنا منها كمن لدغته أفعى. والضفادع لا ترى الأشياء الساكنة، وهذا هو سر أنها مسلطة على الحشرات التي تطن فوق أذنها. أما الضفادع نفسها فترسو في بطن الثعبان الذي يرى المتحرك والساكن فيلتقم الضفدع وهو مليم. والطفل لو عرضنا أمامه ثلاثة أنابيب من الزجاج الأول طويل نحيف والثاني دورق منتفخ البطن والثالث أناء مثلث وجعلنا الماء في سوية واحدة بين الثلاثة اعتبر الطفل أن كمية الماء الموجودة في الأنابيب الثلاثة واحدة. ولو شرحنا له الفرق لاستوعب ولكنه سرعان ما يرتد إلى العادات العقلية فلا يربط بين (الحجم) و(الكمية). ولا ينمو عقل الطفل إلى فهم المجرد إلا بعد تجاوزه السنوات السبع الأولى.

 

ومهما تحدثنا للغلام الصغير عن معنى اللذة لم يفقه منها شيئاً إلا كما يفهم القط في فلسفة أرسطو. وفكرة الانفجار العظيم اتفق عليها الفيزيائيون ولكنها كما قال المناطقة قديما فسر الماء بعد الجهد بالماء فهي أشبه بلغة الجان ولا يمكن تصور عالم خال من المادة والزمان والمكان بسبب ارتباط عقولنا بأفكار قبلية كما يقول الفيلسوف كانت. والله يعلم وأنتم لا تعلمون.