1- مدخل: العرب والسياسة أين الخلل؟
هذا عنوان كتاب في علم السياسة الذي أعده من أهم العلوم، ومن أعقدها، لأن للسياسة باطناً وظاهراً، والمغايرة والمفارقة تامة بين الظاهر والباطن، وللسياسة دروب ودهاليز وممرات سرية وأنفاق، وإذا كانت الحرب خدعة، فإن السياسة بألف. ونحن في ميدان العسكرية والقتال خطبنا أيسر من معارك السياسة، أما هذه فنحن فيها فشله!
نعود إلى الكتاب، وقلت إنني في كل حلقة سأعرف بكتاب، وقد فاتنا جملة حلقات لم نقدم فيها تعريفاً بكتاب عدا السابقة وهذه. ومحمد جابر الأنصاري يخلط بعض الناس بينه وبين محمد عابد الجابري، فالأخير مغربي والأنصاري خليجي من البحرين وأكاديمي شأنه شأن الجابري وكلاهما ليسا محسوبين على الإسلاميين بل إلى العلمانية أقرب لكن الأنصاري أقرب من عابد الجابري وقد توفي الجابري والأنصاري ما زال حياً.
يقع كتاب الجابري في 239 صفحة نشرته دار الساقي في طبعته الأولى سنة 98 وهو في ثلاثة أبواب: الباب الأول: في التجليات والأعراض (تمهيدات) في 62 صفحة. والباب الثاني: في الفصام السياسي العربي ومن عناوين فصوله ومباحثه: الثقافة السياسية العربية بين التضخم الأيديولوجي والبؤس المعرفي، قراءة تاريخية لتجربة العرب السياسية، حيرة أمة بين قوة روابطها المعنوية وضعف روابطها المادية، بين الاستبداد والديموقراطية وهذا الباب حوالي 120 صفحة. والباب الثالث: في الواقع السوسيولوجي: نماذج تطبيقية، ومن عناوينه: القبلية السياسية، ديمقراطية القبيلة، القبلية الحديثة التحديث القشوري، الجغرافيا ضد الأمة..
وفي مقدمة الكتاب يقول الكاتب: على الرغم من التألق الروحي والعقلي والعمراني للحضارة العربية الإسلامية فإن تاريخها السياسي ظل أضعف عناصرها على الإطلاق، وأشدها عتمة.. في حضارة رائعة لكنها ظلت تعاني من فقر دم سياسي وأنيميا سياسية على صعيد التطبيق والممارسة.. منذ التأزم المبكر للخلافة الراشدة.. إلى الإجهاض السياسي لمشروعات النهوض العربي في هذا العصر.
وأشار في المقدمة إلى كتاب آخر له «تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية» ومن أفكاره قوله ص218 «المدنيّة المحكومة تنتج الحضارة ولا تنتج السلطة، والبادية الحاكمة أعجمية أو عربية تنتج السلطة ولا تنتج الحضارة» وأشار في مقدمة كتابنا إلى كتاب ثالث له بعنوان: «التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام» وإن كتابنا الذي عنونا به جزء من مشروع المؤلف البحثي الفكري. وأشار إلى كتاب رابع: «تكوين العرب السياسي» وإلى كتاب خامس «الفكر العربي وصراع الأضداد تشخيص حالة اللاحسم في الحياة العربية والاحتواء التوفيقي للجدليات المحظورة».
وقال المؤلف ص58 من الكتاب الذي نعرف به: «لقد مثّلت السياسة مقتلاً خطيراً للحضارة العربية الإسلامية منذ عصورها المبكرة».
وفي ص87 ينقل عن المفكر الفرنسي بيير فيلار: «أن تفكر سياسياً بشكل جيد، فعليك أن تقرأ تاريخياً بشكل جيد»
وفي ص90 يضرب المثل بنكبة فلسطين سنة 48 حيث تصور كثيرون أن اللوم يقع على عاتق أنظمة كانت قائمة، وتولدت حركة لتغيير الأنظمة. وعندما حدثت نكبة 67 اتضح أن المسألة لم تكن بتلك البساطة.
ثم يذكر حرب 82 واحتلال لبنان سنة 90 عندما حدث ما يشبه الحرب الأهلية الموسعة.
ثم يستشهد بتحليلات ابن خلدون، وينقل عنه ص103 قوله: «الثوار القائمون بتغيير المنكر.. يعرضون أنفسهم للمهالك، وأحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر»
وفي ص124 قال ابن خلدون: «أهل الحاضرة عيال على غيرهم في المدافعة والممانعة»
ثم ذكر الكاتب الكويت وأنها «مختبر لجديد التطور السياسي في المنطقة» وتحت عنوان بين الوطني والقومي ص137 نقل عن عماد شعيبي قوله «أصبح مفهوم الوطن ضائعاً بين عدم التعيين المعرفي وبين الهوية القومية المختلسة».
وتكلم ص140 قال: «حالت البراري بين العرب وبين تكوين المجتمعات الكبيرة» وتكلم ص155 عن التسامح السياسي وكيف أن العرب أشداء على أنفسهم ص156 وفي ص167 تحت عنوان العرب والديمقراطية قال: «التحدي الموضوعي الأكبر أن أية قوة سياسية لا بد أن يتحكم بها القاع السوسيولوجي الذي تنتمي إليه..»
وأرجو في نهاية هذا الإيجاز أن أكون أعطيت ملخصاً تعريفياً ببعض أفكار الكتاب المهمة. ونواصل مقالنا.
2- العمل السياسي العربي المشترك.
سنقضي هذه الحلقة مع هذا العنوان بتفاريعه والحلقة المقبلة كذلك. ولعل الظاهر ينبئ أن العمل العربي المشترك أجلى ما يتجلى في العمل السياسي. ففي الوقت الذي لم نر فيه مشاريع مشتركة على صعيد إنتاجي أو اقتصادي، زراعي أو صناعي، أو سوق عربية مشتركة أو عملة عربية موحدة أو مشتركة، أو مناطق حرة مشتركة، أو مشاريع مائية مشتركة..
أقول في هذا الوقت الذي لم نر فيه تجليات لهذه الأبعاد رأينا عناوين مشتركة على صعيد السياسة، مما يوهم، أو يوحي، أو يشي بشيء من التنسيق السياسي أو العمل السياسي المشترك. والحقيقة أنه جميعاً سراب.. ونقش على التراب.. تسفي عليه السوافي ويطمره النسيان ويغمره الإهمال، ولا يطول عليه الزمان حتى يصبح في خبر كان. ونبتدي بمشاريع الوحدة:
أ-مشاريع الوحدة. مظهر من مظاهر العمل العربي المشترك. شهدت المنطقة مشاريع عديدة للوحدة لعل أشهرها الذي رافقته دعاية وإعلام وإعلان وتضخيم وتهليل وتهويل هو وحدة مصر وسوريا فيما سمي: الجمهورية العربية المتحدة والذي سمي اختصاراً: ج.ع.م. وترجم تندراً إلى عدة ترجمات لا مجال لها الآن.
وفي الوقت الذي كان فيه ناصر يفك وحدة القطرين(مصر والسودان) اللذين يجمعهما النيل والتاريخ والجغرافيا والديمغرافيا والمزاج الشعبي والتمازج الاجتماعي نجده يقفز من قارة أفريقيا ليقيم وحدة مع سوريا في قارة آسيا. ولا شيء يجمع كما في الحال مع السودان، فإذا انضاف إلى هذا عوامل ضياع هذه الوحدة، من فوضى، وظلم، وتأميم، ومصادرة وممارسات فجة ضجت منها جماهير سوريا، وسمعة المكتب الثقافي في سوريا ولبنان ضجت لها الدنيا.. فما لبثت هذه الوحدة أن مزقت شر ممزق. ورفضها الشعب السوري رفضاً عنيفاً للممارسات المشار إليها. وجاء وقت فكرت العراق في الانضمام إلى هذه الوحدة وتراوحت نجوم العلم ما بين الثنتين والثلاث نجمات.. ثم انكدرت النجوم وتبعثرت..
وقد خاض القذافي مغامرات وحدوية كان يدمرها كاللعب بين يدي الأطفال يلهو بها خمس دقائق ثم يجعلها بدداً وقطعاً وفتافيت. فجرب الوحدة مع تونس والجزائر ومع مصر ومع السودان ووقع مع البشير اتفاقيات وهو يمول جنوب السودان لفصله عن شماله، ويمول كل حركة انفصالية أينما وجدت..
وعرفنا الوحدة المغاربية التي أرادت مصر يوماً أن تنضم لها زمن مبارك المبارك! ثم اتحد اليمنان وهما الآن على شفير التمزق، للظلم الاجتماعي والسياسي.
ولعل الوحدة النسبية التي صمدت إلى حد ما وحدة الإمارات. وهي وحدة شكلية فباستثناء السفارات بالخارج، فلا شيء متفقاً عليه في الجيش أو الأمن أو المخابرات.. فلكل بلدة أجهزتها! وصنعت العراق ومصر والأردن واليمن نوعاً من الوحدة كانت هشة بلا أي استراتيجيات أو مقاومات.. وسرعان ما تبددت.
فكل مشاريع الوحدة فشلت فشلاً ذريعاً. والأسوأ من هذا أن المتحد قد تفرق في زماننا زمن التفتيت والهلافيت. فتمزق العراق شذر مذر، وسوريا على شفير التمزق، وكما تبشرنا الوسائل الغربية: دولة للعلويين، وأخرى للدروز، وثالثة للكرد، ورابعة للسنة، وخامسة للمسيحيين!
ووحدة الضفة الغربية مع الشرقية كانت أسوأ فك ارتباط بين قطرين أو بين شطري قطر واحد، ولذا كان الفك أسوأ فك. وما ذاك إلا ليقوم كيان وهمي تقيم عليه منظمة التحرير دولة وهمية، وليتخلص العرب من هم فلسطين فكان مؤتمر الرباط «ضِغثاً على إبّالة» حيث يقرر العرب أن المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وفرح البعض وما دروا أنه أكبر طعنة وجهت للقضية الفلسطينية. وليس المجال مجال التفصيل.
فإلى اللقاء في حلقة مقبلة.


