1- مدخل: فساد رأس السمكة ورأس العين.
هذه هي الحلقة الخامسة من هذه السلسلة وما زلنا في محاولة تشخيص الواقع السياسي لأمة العرب والمسلمين. وأطلنا لأهمية هذا البعد ونزعم أن الخراب في العالم العربي بدأ من الرأس والقمة ولسنا مع المقولة المنتشرة "كما تكونوا أو مثلما تكونوا يول عليكم" وهي التي تقلب المعادلة فتجعل الفساد يبدأ من القاعدة ثم يسري إلى الرأس. وهي ليست حديثاً بالمناسبة. ولكنّا مع الأثر الآخر ولعله من كلام الفاروق: "لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فأولها نقضاً الحكم وآخرها الصلاة" وهي التي تجعل الفساد يسري من الرأس إلى بقية الجسد. ولا خلاف على إشكالية الواقع السياسي وترهله أو ترديه، وربما يكون الخلاف على تقدير حجم الخراب وحجم الدمار الحاصل فيه.. كالذي ذهب يشتري سمكاً فبدأ يشم الرأس، فقال له البائع: يبدو أنه لا خبرة لك بالسمك، إن السمك يفسد من الذيل، قال الشاري، أنا متأكد من فساد ذاك ولكني أريد التأكد من وصوله إلى رأس السمكة.
ولقد سرى الفساد والخراب من الرأس إلى بقية الجسد، من أسف. وليس فساد رأس السمكة من عدوى الذيل. فإذا تلوث رأس العين، أو رأس النبع، تلوث باقيها وليس العكس.
وكم معبرة كلمة علي عليه الرضوان للفاروق عليه الرضوان: يا أمير المؤمنين عففت فعفت رعيتك ولو رتعت لرتعوا!
وذلك بمناسبة تسليم تاج كسرى وسواريه للفاروق وتعليقه على ذاك المشهد بقوله: "إن الذي أدى هذا لأمين" فقال علي ما قال.
2- حلم الدولة بعيد المنال.
أقرأ في هذا الصباح مقالة للدكتور "باسم الطويسي" يقول فيها: "إن العرب ما يزالون يقفون على مسافة بعيدة من المفهوم المعاصر للدولة، في الوعي والممارسة، بل إن فكرة الدولة في الوعي العربي ما تزال هشة، ولا تملك حضورها في الوعي والوجدان والضمير الجمعي للناس، لأنهم باختصار لم يعتادوا أن يلمسوا آثارها في الحياة العامة"
ويواصل: "غياب المفهوم الواضح والصحيح عن الدولة هو الذي يحرمها من فهم مصدر الاستبداد السياسي، وإمكانية الرد الفعال عليه.."
ثم قال: "إن الفكر والممارسة السياسية العربية المعاصرة غاب عنهما إدراك أن الدولة لا تستطيع أن تكون منتجة ومنجزة ما لم تحظ بشرعية تاريخية مستقرة. وليس لهذه الشرعية من مصدر آخر إلا قدرتها على إشراك رعاياها في نمط حضارة عصرهم" أ.هـ.
وإن كنا قد نتوقف مع الدكتور عند الحصر "وليس لهذه الشرعية من مصدر" ثم عند "نمط حضارة عصرهم" فقد تبدو مشكلة وليس حلاً. ويمكن أن تفهم على عدة أنحاء أو عدة وجوه. فمصيبتنا أن دولنا تريد إشراكنا –ظاهرياً- في نمط حضارة العصر (أو قشورها بالأصح) كما تزعم وذلك بالتبعية للغرب والذوبان فيه.
باختصار فإن الكلمة تحتاج إلى مزيد من التوضيح والتحديد. والمفهوم المقبول لنمط حضارة العصر من حيث التقنية والعلم وليس ما يتعارض مع قيمنا.
ولكنا مع الدكتور في أن العرب قمة وقاعدة ما زالوا على مسافة بعيدة من مفهوم الدولة، لا المعاصر ولا "القروسطي" حتى. وبدلالة أن الجميع بدأ يعود إلى روابط العشيرة والقبيلة والعائلة والفئة والجهة والهويات الضيقة والفرعية، ولا أحد يحتكم لا إلى قانون، ولا يرجع إلى دستور.
وليس قطعاً هذا من سمة العرب وصفاتهم وخلالهم الثابتة، معاذ الله، وإنما هي مرحلة وظروف.. تتغير. والبعض يحاول أن يستنتج منها استنتاجات خاطئة أنّا أمة متخلفة متجذر فيها التخلف ولا نقبل التغيير، ولا أمل في مستقبل قريب.. كل هذا مردود بالقطع. فقد انتقلنا من البداوة إلى الحضارة إلى الإغراق فيها، وانتقلنا من الرابطة الضيقة إلى الرابطة الواسعة جداً بإطارها الإنساني الذي ضم شعوباً وأمماً وأقواماً وثقافات، هضمها الإسلام واستوعبها وتعايش معها وصبغها جميعاً بصبغة الإسلام، ووحدها في إطار أخوة الإسلام.
3- الانقلابات.. في العالم العربي.
ربما لم يعرف العالم منطقة شهدت من الانقلابات ما شهدت هذه المنطقة العربية. وهذا لا يدل على حيوية سياسية بقدر ما يدل على عدم مؤسسية وعدم استقرار، وانعدام وجود آليات للتغيير والتداول السلمي للسلطة، وبقدر ما يدل على تبعية للقوى الكبرى. وإذا استحضرنا الحقبة التي حصلت فيها الانقلابات سنجد أنها فترة كسوف القوة البريطانية، وصعود القوة الأمريكية. فأغلب الانقلابات صناعة أمريكية، للإتيان برجال أمريكا، بدل الرجال الذين كانوا يتبعون بريطانيا. وقد ابتدأت الانقلابات في سوريا منذ قرابة السبعين سنة ومعلوم ارتباط حسني الزعيم بأمريكا، وكل من جاء بعده، حتى إذا استلمت الطائفة العلوية بعد تدرج طويل استقرت البلاد وانتهى عصر الانقلابات.. لأن الجهة التي كانت تصنع الانقلابات وجدت فيهم بغيتها.
وفي مصر أزيح فاروق التابع للإمبراطورية العجوز وجيء بجيل جديد من الحكام الشباب يتبعون القوة الجديدة الصاعدة الشابة وعندما أوشك ناصر على مفارقة الدنيا جاء برجل أمريكا في مجلس الثورة وهو أنور السادات وعينه نائباً للرئيس فآلت إليه السلطة بسلاسة.. وعندما جاء السادات ألحق مصر بأمريكا إلحاقاً تاماً وانتهى عصر المراوحة والمراوغة والظاهر والباطن.. فصارت مصر مع أمريكا قلباً وقالباً باطناً وظاهراً، بلا مواربة، ولا ادعاءات ثورية. وكذا انقلاب عبد الكريم قاسم في تموز سنة 58 يسير على المنوال نفسه.. ثم كرت الانقلابات بمعدل كل 6 شهور انقلاب في مرحلة اتسمت بالفوران والموران والتحالفات والتحالفات المضادة.
على أن أسوأ الانقلابات طرّاً، هو انقلاب السيسي على الشرعية الثورية الشعبية المنتخبة، لأنه جاء ليقطع الطريق على هذا النهج الجديد في التداول السلمي، وليستمر نمط سيادة العسكر وسيادة مراكز القوى، التي تتولى قمع الشعوب وإخضاعها لصالح القوى الخارجية ولصالح النهب المنظم لثروات البلاد. والخطير أن العالم العربي أعني قياداته المتجمدة عند ما قبل منتصف القرن العشرين، وعند الأوضاع الستاتيكية السائدة، وعند التناقل التقليدي للسلطة على نهج الأئمة الاثنى عشر عند الشيعة. فهو الأسوأ أي انقلاب سيسي لأنه جاء في أدق المراحل. وهو الأسوأ لأنه الأعنف في قمع الشعب. وهو الأسوأ لأنه مزق نسيج المجتمع وضرب وحدته في الصميم. وهو الأسوأ لأنه ألحقنا بقوى التبعية وهي "إسرائيل" أولاً في وقت تهدد فيه أقصانا.. وهو الأسوأ من وجوه كثيرة لو جئنا نحصي ونستقصي. فحكم العسكر نهج ونمط سائد في العالم العربي كما مر مراراً. فها بوتفليقة يعلن اليوم عن فوزه الساحق، وهو صنيعة العسكر يحكمون من خلاله وينهبون ثروات البلد من خلاله، ولا تضبطهم عين ولا يد ولا أذن ولا قانون ولا يحاسبون ولا يحاكمون. فهم ليسوا الرؤساء وفي الحقيقة هم الرؤساء فالرئيس بوتفليقة لا يستطيع القيام بمهامه، ولا يعقل أن يخاطب الشعب في يوم فوزه بالسكايب؟! وهل عقم 35 مليون جزائري عن إنتاج رئيس إلا رئيس مقعد!
4- استحالة التغيير أو عسره على أقل تقدير.
وبعد فإن أسوأ ما في الوضع السياسي العربي هو انسداد أفق التغيير الذي يمارس في العالم كله بأيسر السبل وأسهلها وأسلسها. ولو قال أي مواطن إنجليزي سأرشح نفسي أمام كاميرون وأخرجه من الحياة السياسية فماذا يجري؟ وماذا يصيب القائل؟ لا شيء بالطبع. لكنه في العالم العربي أكبر الكبائر. لأن من يجلسون على الكراسي ذوات مقدسة.. أو متألهون في الأرض، خالدون لا يبيدون! وذلك ترفع شعارات: فلان للأبد.. ولولد ولد الولد.. وإلى آخر الأمد، وهو "مُسَرمد" لأن زيت عمره لا ينفد، وهو مثل لبد النسر الأسطوري عند العرب الذي عاش مئات السنين وضرب به المثل فقيل: "أهرم من لُبَد" ونختم مقالتنا اليوم بلبد الذي يحكم كل بلد وشيء من الأدب نلطف به الجو بعد أن تلبّد:
قال النابغة الذبياني:
يا دار ميّة بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأمد
أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لبد
أي إن تقادم العهد غيّرها وأفسد حالها كما قضى طول العمر على لبد.
ولا نفصل قصة النسر لبد بل ارجع إلى الكرمي في "قول على قول".
وقال أبو السرى الخزرجي كما في ابن خلكان:
إن معاذ بن مسلم رجل
ليس لميقات عمره أمد
قل لمعاذ إذا مررت به
قد ضج من طول عمرك الأبد
يا بِكر حواء كم تعيش
وكم تسحب ذيل الحياة يا لبد
وإلى اللقاء في حلقات قد تمتد وتتلبد!


