الإثنين 19 يناير 2026 الساعة 08:10 م

مقالات وآراء

حارسة حدود ومحلل سياسي

حجم الخط
د. يوسف رزقة

كان العمل ضد دولة الاحتلال الصهيوني عملاً وطنياً مشروعاً قبل اتفاقيات ) كامب ديفيد ، ووادي عربة ، وأسلو)، وغدا بعدها عملاً إرهابياً مجرماً، ولا سيما بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م في نيويورك. لا تسمح أي من الدول العربية الحدودية مع فلسطين المحتلة بأي أعمال فدائية أو جهادية ضد دولة الاحتلال، وهي تعدّ كل عمل ينطلق من أراضيها عملًا إرهابيًا فيه انتهاك للسيادة الوطنية. دول الطوق أشد قسوة على العمل الفدائي من حكومة الاحتلال نفسها٠ دول الطوق توفّر الأمن لدولة الاحتلال بالتعاون المسبق معها، وهي ملتزمة بذلك طوعاً أو كرهاً .

 

السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية قامت وتقوم بالدور نفسه الذي تقوم به دول الطوق. لا فرق بين السلطة ودول الطوق في الالتزام بحماية أمن دولة الاحتلال، وإحباط العمليات الجهادية ضدها من خلال التعاون الأمني المشترك. السلطة تفتخر سرّاً وجهرا بالإنجازات التي حققتها في هذا المجال لكسب رضا تل أبيب وواشنطن أيضاً، والغريب أن السلطة تمارس هذا الإجرام وتدعي أنها تعمل للتحرير، وللدولة، وللمستقبل؟!

 

لقد قبلت السلطة أن تكون ( رقماً عربياً ) في منظومة عربية تعيش هزيمة ويأسا يمنع رؤية أدنى أمل في النصر وفي تحرير فلسطين ، ومن ثمة فهي تنطلق من روح الهزيمة واليأس الذي يسكن قادة النظام العربي بعد كامب ديفيد وأوسلو .

 

لم تتمكن السلطة الفلسطينية من تجسيد العناصر الفارقة بين الفلسطيني والعربي على مستوى الأنظمة، ولم تترجم مقولة الشعب ((إللى إيدو في النار ليس كالذي إيدو في الميه )) ؟! وقبلت أن تمارس الممارسات نفسها التي تمارسها دول الطوق ضد المقاومة وضد الأعمال الفدائية، ومن ثمة باتت حدود الضفة عام ١٩٦٧ م مع فلسطين المحتلة أكثر أمناً لـ(إسرائيل) من حدودها مع سيناء، أو مع الأردن .

 

هذا التحول الخطير على النظام الفلسطيني والشخصية الفلسطينية ليس هو التحول الوحيد على مستوى قيادة السلطة، وحسبي هنا أن أشير إلى تحول آخر يتشكل من خلال انتقال السلطة واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير من منطقة صاحب القرار إلى منطقة المحلل السياسي الذي يرصد ويحلل ما يرصده فحسب.

 

في جريدة فلسطين الصادرة أمس الإثنين ٨/١٢، اتهمت حنان عشراوي عضو اللجنة التنفيذية (إسرائيل) بأنها لا تسعى إلى تحقيق السلام وإنما تسعى لكسب مزيد من الوقت للاستمرار في الاستيطان وفي تهويد القدس. وقد جاء اتهامها رداً على عطاءات البناء الجديدة في القدس والضفة والتي تجاوزت الألف وحدة سكنية في ظل عودة عباس للمفاوضات ( صح النوم؟ (

 

وفي العدد نفسه، وفي الصفحة نفسها يقول عنوان منسوب لمجموعة من الوكالات: " مسئول أمريكي : البناء في المستوطنات مقابل الإفراج عن أسرى فلسطينين " ؟! ويقول عنوان آخر ( أسماء المستوطنات تحل مكان مدن الضفة ؟!) ويقول عنوان رابع :" الكنيست يغرز سكين التقسيم في باحات الأقصى بمباشرة إجراء نقاش يسمح لليهود الصلاة في باحات الأقصى والدخول إليه من كل الأبواب ؟"!

 

في ضوء هذا الكم الضخم من المعلومات التي تتحدث عن الاستيطان وعن التهويد وعن تقسيم الأقصى زمانياً ومكانياً لا نجد قراراً فلسطينياً، لأن السلطة ولجنة المنظمة التنفيذية تحولا إلى محلل سياسي يراقب ويكتب مشاهداته٠ لا قرار للسلطة و"التنفيذية" إلا في حراسة الحدود حراسة أمينة، ومن ثمة قمع المقاومة وإحباط أعمالها٠ السلطة في رام الله اليوم لا تزيد عن حارس حدود ومحلل سياسي يكتب مشاهداته وانطباعاته ويقرر قمع الوطنية الفلسطينية كما تقمعها دول الطوق، حتى وإن كان عملها هو الرد المناسب على الاستيطان والتهويد .