1- تَركَة مثقلة من الخراب.
كانت مهمّة الأنظمة التي انقلبت عليها شعوبها وثارت في وجهها من شدة الظلم والأذى والخراب، كانت مهمّتها تدميرية فحسب. وكاذب مجرم من يقول إنّ مصر أو تونس تقدّمت خطوة في العهدين القذرين لبن علي ومبارك.
هذا الكم الهائل من الدمار والخراب ورثه الإسلاميون في البلدين. وكان الرأي الأصوب، والله أعلم بالصواب، ألاّ يكونوا هم أول من يتولّى بعد المجرمين المدمِّرين أولئك.
ولكن الوجهة الأخرى أيضاً معقولة، وهي أنّه إن لم يكن العاملون بعد العهود البائدة نقيضاً لها فماذا صنعنا؟ ولا تأمن من أن تزيح مخرباً فيأتي مخرب عميل آخر، فأنت مضطر إلى وراثة التركة المشبعة بالهموم والمترعة بالخراب والديون.
والناس يريدون حلحلة الأوضاع وتغييرها وليس الكل يعي سنن الله في المجتمعات وأنّ التغيير يتم بالتدريج وخطوة خطوة.
فلما لم يلمس الناس في هذه الشهور المعدودة الفوارق المحسوسة انفجر بركان الغضب المختزن حمماً والمحتقن غضباً من عقود مضت في الظلم والقهر والنهب والتبعية والقتل والسجون.
2- الفوضويون الجاهزون.
لم يكن الموساد ولا المخابرات المركزية ولا المحلية نائمة طيلة العهدين البائدين، بل كانت تعدّ جيوش الحشاشين والمخربين والفوضويين وتدرّبهم على الأعمال القذرة، وما البلطجية في عهد مبارك والذين وصل عديدهم نصف مليون وشبيحة الأسد قرابة مئة ألف، ولا ندري كم عند مجرم تونس من هؤلاء.
أقول هؤلاء جيش منظَّم رهن الإشارة. والمتضرر الآن من هذا التغيير هو دولة البغي والشر والإرهاب في «إسرائيل» ثم أمريكا ثم «الملاحق» وهؤلاء لم يكونوا ليسكتوا على تغيّر حكم العملاء والتابعين فأوعزوا إلى الفوضويين الذين قالت عنهم «غونداليزا» من سنين: إنّه لا بد من الفوضى الخلاّقة لتغيير المنطقة، وبعض الفوضويين في مصر يرفعون شعار الفوضى من أجل الفوضى، والفوضى في مواجهة الفوضى، و»البلاك بلوك» و»البلاك مَسْكز» و»الديفيلز» أيّ الشياطين بزيّ موحَّد يخرجون في وقت موحَّد كجيش منظَّم، فمن الذي يموّلهم ومن الذي يحرّكهم، ومن الذي يحدد لهم الأهداف؟
من الذي يرشق المولوتوف على الشرطة؟ من قتل المتظاهرين من الإخوان وقد بلغوا أكثر من عشرة؟ من حاول خلع باب قصر الاتحادية؟ ومن حاول إحراقه؟ من حاول اغتيال الرئيس، وللعلم فقد جرت ثلاث محاولات كادت أخراها تنجح، وكان المتورط فيها بعض الأمن؟
هؤلاء جميعاً عسكر الخراب وفلول نظام الغراب مبارك وأزلام أمريكا و»إسرائيل».
وهذا ليس رجماً بالغيب! فمن سويرس؟ ومن هي الدول التي تدعم هؤلاء المخربين؟ ولماذا الاغتصاب إن لم يكونوا مجرمين؟ إنّ المقصود هو إرسال رسالة، إمّا العهد المباركي وشفيق والأزلام، وإمّا الدمار الشامل وعدم الاستقرار!
3- علم نفس الجماهير.
تمرّس اليهود الصهاينة والمستعمرون عموماً أثناء تعاملهم مع شعوب مستعمراتهم، تمرّسوا بعلم النفس وطوّروه وطوّروا آلياته، وصارت عندهم خبرات وتراكمت عندهم معلومات وتجارب لا تقدر، وكم من كتاب كتب في «علم نفس الأسير» «وعلم نفس الجماهير» أو الكتل (ماس) أيّ مجموعات أو مجاميع الناس.
وكيف يتم التلاعب بها والتحكم بها. وفن الشد والرخي والعصا والجزرة، والوعود، وفن الضغط، وتوظيف الإحباط وعقد النقص ومركباته وجنون العظمة وحب السلطة، الخ.
وكم كان شكسبير مبدعاً في مسرحية «يوليوس قيصر» وكيف أنّ الخطباء المتعاقبين والمتناقضين كانوا يتلاعبون بعواطف الجماهير فيستدرّون دمعهم على يوليوس قيصر حيناً، ويستمطرون اللعنات عليه حيناً آخر.
أقول بل كل مسرحياته مليئة بمواقف من هذا القبيل. هذا قبل مئات السنين، فكيف الآن وقد تطور علم النفس بشكل هائل، وما التجارة الآن وفن التسويق والدعاية والسياسة والأعمال العسكرية والحربية والإعلام، ما كل ذلك إلاّ ثمرات لعلم النفس وتوظيف دقيق متقن محكم محبوك لعلم النفس. أقول: وقد جرت دراستنا بعمق لسنوات طويلة من المعايشة فصارت ثغراتنا النفسية معروفة لديهم وعيوبنا الاجتماعية والسيكولوجية وعلم النفس الاجتماعي، صار كل ذلك مدروساً لهم. ودراسات وبحوث الدكتور في علم الاجتماع ومدير مركز ابن خلدون للدراسات الاجتماعية المدعوم من السي آي أيه مباشرة، أعني الدكتور سعد الدين إبراهيم صديق مبارك وأستاذ سوزان وصديق حميم للعائلة والمتحول الآن إلى ثائر ضد مرسي وحكم الإخوان كما يزعم هو والشلة.
أقول كل أبحاث هذا المذكور كانت تصبّ في الدوائر الاستخبارية وله كمشرف، يكلّف الطلاب بأبحاث، له عشرات الأبحاث كرسائل ماجستير ودكتوراة عن الريف المصري والمجتمعات المصرية في النجوع والكفور والأرياف والمدن والعشوائيات. ما تركوا شيئاً!
4- صناعة الرأي العام.
ربما كتب في الرأي العام وصناعة الرأي العام مئات إن لم يكن آلاف الكتب. لقد أصبح هذا الأمر علماً، بل صناعة تعرف البداية والنهاية والخطوات والمناهج. وجيش الإعلام القذر الذي يستلمه المرتزقة من يسار وليبراليين وعلمانيين وسفلة في البلدين، وسأقف معكم على نماذج من هذا الإعلام وقد تعوّدت أن أكتب كل فترة عن «قراءة في فكر منحل»، وأستشهد بعينات من الإعلام العربي بما فيه الدول التي تزعم أنّها دول تقوم على الإسلام والشريعة والعقيدة. وسأسجّل لكم بعض النصوص من الكفر الصراح البواح نقلاً من هذا الإعلام.
أقول مهمّة جيش الطبّالين هذا زيادة الاحتقان، ولو قرأتم أيّة مجلة مصرية كروز اليوسف أو غيرها لوجدتم من الغلاف إلى الغلاف هجوماً على الإسلام والمسلمين، حتى إنّ كاتبة كتبت عن زوجات الرسول وأرفقت مقالتيها بالصور!
هذا الإعلام التابع جلّه أو كلّه للجهات إيّاها. وكاتب يساري زوجته سويسرية، هذا ليس زعيم الوفد الذي زوجته رقاصة مصرية، ليس هو. هذا الكاتب يتباكى على «نجيب سويرس» وهو صهيوني من شركاء مبارك قذر يتباهى بالقذارة ويقول: أنا أشرب ويسكي كل ليلة فهل سيمنعني الإخوان؟ ومراتي تحب أن تبدي زينتها فهل سيمنعونها؟ (ما حدّش مانعك نيلة عليك) ودبي أوسع لك (وأوسع)!
هذا الإعلام دوره التجييش والتهييج والتحريض والتعبئة ضد النظام. فالتقت على هذا تركة ثقيلة، وتآمر ومكر خارجي، وغطاء سياسي تمثّله الأحزاب الكرتونية والرموز الفارغة، مثل حمدين «وعمرو دياب موسى ليفني» وأبو بردعة وشي لله يا سيد يا بدوي!
فهل تنتهي الأمور إلى نقض هذه التجربة؟ أم إلى استمرارها وتطويرها؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في حلقة تالية.


