الأربعاء 28 يناير 2026 الساعة 11:12 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

تجديد الخطاب الديني (3)

حجم الخط

 

تكلمنا في حلقتين سابقتين عن مفهوم الخطاب، ثم عن آفاق الخطاب الإسلامي التي ينبغي أن يرتقي إليها، وفي هذه الحلقة نواصل ما قلناه ونختم الحديث في هذا الموضوع بدءاً من الدفاع عن فكرة التجديد، وأنها ليست بدعاً من القول، معاذ الله، بل اللفظة مصطلح شرعي، أما أن يستخدم استخداماً خارج سياقه فهذا شأن مَن فعل، لا شأن المصطلح، والخطأ خطأ مَن أساء التوظيف لا المفردة.

 

فقد قال القرآن عن بني إسرائيل الذين قست قلوبهم في سورة الحديد: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون)

 

وموضع الشاهد: (فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم)؛ أي أن طول العهد بالينبوع والمورد العذب والمنهل الحق يقسي القلب فيحتاج إلى تجديد، ولا أريد أن أطيل بذكر الآيات المتحدثة عن قسوة قلوبهم وعدم انتفاعهم.

 

ويكفي أن نذكر في موضوع التجديد الحديث أن الله يبعث للأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد للناس دينهم؛ أي يجدد العهد بالدين، ويجدد نهج المسلمين في التعامل مع الدين، ويجدد العقل والقلب ويطارد البدع والخرافات، ويطرد الأوهام من القلوب والعقول، ويتتبع الخلل فيصلحه، ويعدل المعوج ويقوم السلوك، ويصلح النيات، ويزيل الشكليات عن التدين، وكل ما اخترعه الناس وألصقوه بالدين. هذا مفهوم التجديد، أما نص الدين فمحفوظ ثابت، إنما الخلل في الفهم والتصور والإصلاح، حيث يقع الخلل والتغيير، فالتجديد في العقل والفهم والثقافة والفكر. ثم أذكر نماذج مما سميته الخطاب المتخلف للدين، وهذا غيض من فيض وقليل من كثير، فصور الشطط والخبط والخلط والغلط لا تحصى. ثم أواصل بعد ذلك متابعة بعض ما ينبغي التنبه له، وإصلاحه في الخطاب الإسلامي.

 

• نماذج لأطاريح متخلفة

كلمني من يريد أن أقدم لكتاب كتبه في الرد على المعتزلة، قلت: وهل نخوض نحن الآن معركة مع المعتزلة؟ إنها معركة دون كيشوتية. (وبالمناسبة مَن كتب دون كيشوت متأثر بنا وبثقافتنا في الأندلس، لا أقصد أنه يمثلنا أو يقصدنا) وبمناسبة ذكر الأندلس وإسبانيا وفي إحدى الزيارات ثم وقفنا على خبر غير سار، أن أحد أئمة المساجد كتب كتاباً ودفع به إلى السوق عن "ضرب النساء في القرآن.." وقامت على الكتاب ضجة وطولب بترحيل الإمام، ورحّل.

 

أو الذين يقولون: "لا حقوق إنسان في الإسلام"، أو الذين يقولون: "لا حرية في الإسلام"، أو المبدع الذي قال: حل الأزمة الاقتصادية للعالم الإسلامي أن نحيي فريضة الجهاد، فتعود الغنائم والفيء والسبي ونبيع الرقيق فنستغني من جديد!

 

ولا أريد أن أعود إلى موضوع تمبكتو من جديد في خطاب متخلف لم يكن له من داع، وأعطى عن المسلمين أنهم أعداء الحضارة.

والتكفير نموذج للخبط، والمطالبة بالبدء بإقامة الحدود في مجتمعات بلا حدود ولا ضوابط ولا قيم ولا تربية، يعني أن تجعل نصف الشعب تحت الحد! وعجبي.

 

• التسلح بالحجة في الخطاب الإسلامي ومراعاة أدب الحوار

وردت "الحجة" في القرآن 20 مرة، ويكفي "الحجة" عظمة أن الله نسبها إليه إذ قال: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه)، ويكفيها شرفاً بعد نسبتها إلى الله أن الذي أوتيها خليل الله أعظم رسل الله بعد محمد رسول الله عليهم الصلوات والسلام. وما تسلح المسلم بشيء من الأسلحة الفكرية كسلاح الحجة، وكم جميل ألا تكون الحجة تقريرات تقطع بها، وتمليها على المحاور، وإنما أسئلة تلقيها عليه، وتدعه يفكر بعد أن أحدثت زلزالاً في كيانه وهززته من الأعماق، وحركت عقله ووجدانه لينظر في الحقائق، ويتمعن في الأمور.

 

ونعود إلى إبراهيم نفسه، لقد كان يطرح الأسئلة دائماً: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟) الأنبياء. (إذ قال لأبيه وقومه: ماذا تعبدون؟ أإفكاً آلهة دون الله تريدون؟ فما ظنكم برب العالمين؟)، (قال أتعبدون ما تنحتون؟) الصافات. (وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم؟) (فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟) الأنعام. إلى أن قال الله: (وتلك حجتنا..) الأنعام.

والمرحوم ديدات نموذج لصاحب الحجة وكذا رحمة الله الهندي.

 

• الكون ترجمان القرآن

كم في القرآن من الآيات القرآنية التي تلفت النظر إلى الآيات الكونية، ويكفي أن نستحضر سورة الجاثية، ففي الصفحة الأولى منها ذكر لفظ الآيات قرابة العشر مرات، مقسومة بالتنصيف بين الآيات القرآنية والآيات الكونية.

 

والآيات الكونية في القرآن مشاهد من الجمال والبيان والعلم، فالكلام عن السماء وزينتها من النجوم والكواكب، والكلام عن البحر، وما فيه من عجائب، والكلام عن الجبال وما في الأرض من تنوع وألوان وغرائب، ونبات وجنات وأنهار.

 

كل ذلك يدلك على الله، وعلى عظمة الخلق، وعلى عظمة القرآن، وعلى كون الأدلة الكونية أصدق ترجمان للقرآن.

كل هذا يقتضي أن تكون ثقافتنا العلمية واسعة ومتنوعة وغزيرة. وأن يكون الاقتران بالقرآن دقيقاً موفقاً جميلاً غير متكلف.

 

وما بنا حاجة أن نتعسف ونتكلف في الربط بين القرآن والكون، فالأمر أجلى وأوضح من أن يحتاج إلى أن يتكلف له، ما عليك إلا أن تقرأ وتتعمق في العلوم، وتتعمق في فهم الآيات ستجد الروابط تنثال انثيالاً.

ولا أريد أن أستعرض الآن في هذه العجالة الشواهد، فهي مبثوثة في الكتب، وقريبة في التناول.

 

• اللغة المستعملة ف ي الخطاب الإسلامي

اعلم أن الألفاظ كسائر الكائنات تنمو وتموت، ومن الألفاظ ما أميت، بحيث إن استخدامه يبدو غريباً، وكأنه كائن هبط من كوكب آخر.

وعلى الخطاب الإسلامي، الذي نشأ في أجواء كتب التراث وتشرب لغتها، على هذا الخطاب أن يعرف اللغة التي تستعمل التي لا تستخدم الحوشي من الألفاظ، والمستهجن والمستنكر  والمستغرب، والمستعجِم المغلق على الفهم والمعرفة.

 

وبينما لغة الشعر، حتى فحول الشعراء كالمتنبي والمعري فتجد أن من ألفاظهم ما أميت. لكن هل ترى كلمة في القرآن ناشزة في الآذان أو أصبحت من المتروك في البيان؟! وهل يعرف الناس مثلاً: "عَكَل عليه الأمر: التبس؟"، أو "القُذَعْملة" من النساء: القصيرة.

 

ولِم لفت "الظلال" الأنظار؟ لأنه رائع البيان دون أن تحتاج إلى استصحاب معجم إلى جنبك تستعين به. لغة سلسة، وجمال أخاذ، وبيان مشرق، ولفظ موح، وظلال وارفة، وحياة في الكلمات، وماء في المحيا، ورونق في الصورة، وبهاء في التركيب، وديباجة حلوة قشيبة في نسيج لا أروع ولا أزهى.

 

وكم كانت لغة الشعراوي رحمه الله من البيان الميسر والفصيح القريب الذي يقع في متناول العامة، فازدحمت المناكب تسمع للشيخ ببيان عميق دقيق بليغ مونق موفق رائق.

مما يدلك أن الأمة تتذوق وتميز وتفرز الغث من السمين.

 

• ترصيع الخطاب بعيون

 الأقوال البليغة والأشعار الحكيمة والمعلومات الواقعية

في آدابنا وأشعارنا على الخصوص، وتاريخنا من الشواهد ما لا يحصى. وهناك الجميل والأجمل، والفنان من يختار من أزاهير عيون الأقاويل فيطعم بها خطابه، فتكون عقوداً في جيد كلامه الجيد، فتزيده حلية وجمالاً ورونقاً ورواء وبهاء.. وبهذه الطريقة نصطاد عصافير بحجر واحد.

 

أولاً: نسوّق تراثنا في جمهورنا؛ لأن غربة وعزلة نشأت بين التراث والأجيال المعاصرة، وحتى لو جئنا نذكر أحمد شوقي وهو من المعاصرين، فأزعم أنه قل من يعرفه، مع أنه من أفذاذ الأدباء والشعراء على مدى تاريخ آداب اللغة العربية.

 

وثانياً: نُكسب كلامنا كما قلت وقعاً حسناً وجمالاً أخّاذاً، ونرفع مستواه.

 

وثالثاً: في هذه الأقوال حُمولة من القيم محمولة على أكتاف الكلام الجميل، ونحن نوصّل هذه القيم إلى جمهورنا، وما بنى غنى عن كل ذلك.

كان هذا بعض ما ورد في الكلمة وبعض ما كتب، وأكتفي بهذا القدر، وإن كنت لم أقل شيئاً، لكنها نفثات وفي الجعبة مئات أضعاف ما قيل، والحمد لله.