مفاهيم خاطئة (3):
هل بنو إسرائيل أمة خير وبركة وفضل؟
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
تُستَخدم هذه الآية – قديمًا وحديثًا – لإيصال فكرة مُضلِّلة مفادها أن بني إسرائيل أمة مفضلة على الإطلاق، وأن هذا التفضيل صكّ أخلاقي دائم، أو تفوقٌ دينيٌّ لا يُنزع.
لكن هذا الفهم، رغم شيوعه، يفتقر إلى القراءة القرآنية الكلية، ويغفل السياق، ويقع في فخّ انتزاع النص من منظومته.
أولًا: كيف يتناسب “التفضيل” مع هذا السجل القرآني؟
القرآن نفسه يرسم صورة شديدة القسوة لسلوك بني إسرائيل مع أنبيائهم:
﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.. ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾
﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾
فهل يُعقل أن يكون هذا الوصف، مع ما فيه من لعن وغضب ومسخ وتقريع، مدحًا لأمة فاضلة أخلاقيًا؟
أم أننا أمام خطابٍ آخر له وظيفة مختلفة؟
ثانيًا: مقارنة ضرورية مع أمة الإسلام
حين يصف القرآن أمة محمد ﷺ بالخيرية، يربطها بشرطٍ واضح:
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾
لماذا؟
﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
الخيرية هنا ليست عرقية ولا تاريخية، بل وظيفية أخلاقية.
تزول بزوال شروطها، وتُستعاد بتحقيقها.
ثالثًا: قول الجمهور – هل هو نهاية النقاش؟
ذهب أغلب المفسرين إلى أن قوله تعالى:
﴿فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
يعني: عالمي زمانهم.
وهذا قول معتبر، لكنه لا يُغلق الباب، ولا يجيب وحده عن سؤال:
ما طبيعة هذا التفضيل؟ وهل هو مدح أم ابتلاء؟
رابعًا: الفضل في اللغة.. هل هو دائمًا خيرًا؟
الفضل في العربية يعني الزيادة، لا القيمة الأخلاقية بالضرورة.
- زيادة في المال
- زيادة في القوة
- زيادة في العلم
- زيادة في العدد
لكن:
- هل كل غنى نعمة؟
- وهل كل قوة خير؟
- وكم من مالٍ أورث طغيانًا؟
- وكم من علمٍ لم يمنع صاحبه من السقوط؟
الخيرية الحقيقية لا تكون إلا إذا اقترنت الزيادة بالتقوى.
خامسًا: هل يوجد في كل عصر “أمة مفضلة”؟
نعم، من حيث القدرة المادية والعلمية.
اليوم مثلًا:
- أمريكا متقدمة في القوة
- والاقتصاد
- والتكنولوجيا
لكن هل هذا يجعلها خير أمة عند الله؟
بالضرورة لا.
الفضل قد يكون:
- اختبارًا
- أو استدراجًا
- أو حُجّة على صاحبه لا له
سادسًا: التفضيل في خطاب بني إسرائيل.. تقريع لا تزكية
عند جمع الآيات ببعضها، يظهر معنى مختلف تمامًا:
الله سبحانه يذكّرهم بالنِّعم:
- ﴿نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾
- ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾
- ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾
ثم يواجههم بحقيقة مرة:
فُضِّلتم.. ثم كفرتم، وخنتم، وقتلتم، ونقضتم الميثاق.
إذن نحن أمام خطاب تبكيت تاريخي، لا شهادة تفوق أخلاقي.
الخلاصة (مفهوم يحتاج تصحيحًا):
التفضيل ليس اصطفاءً دائمًا
وليس تفوقًا عرقيًا
ولا ضمانًا للنجاة
التفضيل قد يكون مسؤولية
وقد يكون اختبارًا
وقد يتحول إلى حُجّة على صاحبه
الخيرية عند الله لا تُورث، بل تُكتسب..
وتُسحب متى سقطت قيمها.
.....
ضمن سلسلة: مفاهيم خاطئة


