الأحد 04 يناير 2026 الساعة 12:18 ص

مقالات وآراء

عن ليبيا وانتخاباتها وخسارة «الإسلام السياسي»!

حجم الخط

 

 كانت القلوب قد بلغت الحناجر على ما يبدو عند بعض اليساريين وأدعياء الليبرالية، فجاءت الانتخابات الليبية لتمنحهم الأمل بوقف “الطوفان الإسلامي” عقب الربيع العربي وأثناءه.

 

لم تكد المعركة الانتخابية تضع أوزارها مع ملامح التقدم الذي أحرزه التجمع الوطني الذي يقوده رئيس الوزراء السابق محمود جبريل حتى خرج القوم ينفسون عما في صدورهم، لكأن جبلا قد انزاح عنها.

 

ولو توقف الأمر عند الإشادة بوعي الشعب الليبي الذي انحاز ضد “الظلاميين”، لما تجشمنا عناء الرد والحديث، لكنه تجاوز ذلك إلى استعادة المشهد السابق باعتباره نتاج تزوير”فضائيات نفطية ملعونة” كانت تصور الشعب الليبي على غير حقيقته، حيث كانت تركز فقط على أصحاب اللحى ومن يهتفون “الله أكبر” في الجبهات.

 

وإذا كانت الجزيرة مثلا منحازة لأصحاب اللحى من سلفيين وإخوان مسلمين كما يرى أولئك، فهل كانت العربية كذلك، وهل ينطبق ذلك على “السي أن أن” و”بي بي سي” و”سكاي نيوز” وسواها من الفضائيات الغربية، فضلا عن الصحف ووكالات الأنباء؟! هل كانت جميعها منحازة لأولئك، أم أن الجبهات لم تكن سوى خلية نحل تعج بالخطاب الديني، ويتصدرها خريجو سجون القذافي من الإسلاميين؟!

 

لا يماري عاقل في أن الشعب الليبي شعب متدين بالفعل. وحين يصل الحال بمصطفى عبد الجليل حد التأكيد على مرجعية الشريعة في احتفال تحضره فعاليات غربية، ثم يتبعه بتأكيد على تعدد الزوجات؛ على هامشية الأمر في احتفال من هذا النوع. عندما يحدث ذلك، فهو إنما كان يداعب مشاعر الشعب المتدين، وليس لأنه خرج مدارس السلفية والإخوانية، هو الذي كان وزيرا للعدل في نظام القذافي.

 

ماذا عن المتنافسين في الانتخابات. هل كان بعضهم يرفع شعار الليبرالية والاشتراكية، أم أنهم جميعا كانوا يؤكدون على مرجعية الشريعة، بينما يصف محمود جبريل نفسه بأنه “إسلامي معتدل”؟!

 

ليس هذا فحسب، فالرجل الذي تصدر التجمع الفائز في نظام القائمة الذي يشكل 80 مقعدا من أصل 200، لم يقدم نفسه كإسلامي فقط، وإنما شكل تجمعه من مجاميع وكيانات قبلية وحزبية وسياسية لا يربطها شيء غير إرادة الفوز في الانتخابات، بينما رُصدت لها مئات الملايين التي جاءت من الإمارات التي تبدي حساسية مفرطة حيال الإسلاميين. حيث بدأ التجمع حملته في سائر المناطق قبل موعد الانتخابات بشهور طويلة (لا ننفي بالطبع حصول بعض الإسلاميين على دعم قطري).

 

كل ذلك لم يؤد إلى أن تكون النتيجة صارخة في استبعاد التيار الإسلامي محسوم الهوية، إذ حصل حزب العدالة والبناء (جناح الإخوان السياسي) وحده على 17 مقعدا من 80 (أكثر من 21 في المئة من الأصوات) بينما حصل تجمع جبريل بكياناته التي تبلغ العشرات على 39 مقعدا (أقل من نصف الأصوات) فيما حصلت كيانات إسلامية أخرى على نسبة من الأصوات وعدد من المقاعد.

 

في الدوائر الفردية لم تُحسم النتائج تماما لجهة هوية الفائزين، لكن الواضح أن مرشحي “الإسلام السياسي” بحسب التعبير إياه قد حصلوا على نسبة معتبرة من المقاعد التي ذهب أكثرها لمستقلين، ما يعني أننا إزاء برلمان لا تحسمه جهة بعينها. هذا إذا افترضنا أن تجمع جبريل يشكل كيانا سياسيا وحزبيا وفكريا بكل معنى الكلمة، وهو ليس كذلك.

 

في أي حال، فنحن ورغم انحيازنا للتيار الإسلامي، إلا أننا لم نشعر بالأزمة التي شعر بها أولئك في جولات انتخابية عربية أخرى، لأن ما يعنينا هو حرية الشعوب في اختيار من يمثلها. وفي السياق الليبي أثبت الإسلاميون انحيازا حقيقيا للحرية، هم الذين كان بوسعهم السيطرة على البلد بالقوة المسلحة تبعا لكونهم قادة الثورة الحقيقيين، لكنهم لم يفعلوا وترك كثير منهم السلاح واحتكموا للصناديق، بل قبلوا بنتيجتهم كما هي وباركوا للشعب اختياره الحر.

 

هنا الفرق بين أدعياء الحرية والتعددية ممن يهللون لها حين تأتي بالنتيجة التي يريدون، بينما يديرون ظهرها لهم ويشرعون في وضع العصي في الدواليب حين تنتهي بفوز آخرين، بخاصة إذا كانوا من الإسلاميين؛ هنا الفرق بينهم وبين من يحترمون إرادة الشعب مهما كانت، لأن التخلص من الاستبداد والفساد هو هدفهم وسبب جهادهم وتضحياتهم التي يحتسبوها في سبيل الله وليس من أجل المكاسب، وإن حرصوا عليها كحق لهم من جهة، وقياما بواجبهم تجاه شعوبهم من جهة أخرى.